الاثنين، أبريل 18، 2016

التظلم من الأوامر القضائية الجزائية



التظلم من الأوامر القضائية الجزائية

النصوص القانونية:
تنص المادة 212 من القانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية (الكويتي) على أن:
"جميع الأوامر والأعمال التي تقوم بها الشرطة أو المحقق أو المحكمة بشـأن إجراءات الدعوى أو التحقيق، يجوز التظلم منها، إما إلى الجهة التي أصدرتها، وإما إلى محكمة الموضوع عند نظر الدعوى، إلى أن يصدر حكم نهائي فيها. ولا يعتبر التظلم استئنافاً، ولا يتقيد بموعد ولا إجراءات معينة.
ولا تلتزم الجهة المرفوع إليها التظلم بأن تفصل فيه بقرار مستقل، ويعتبر سكوت المحكمة عن إجابة هذه التظلمات في الحكم الموضوعي رفضاً ضمنياً لها، وإقراراً لصحة الإجراءات المتظلم منها".

التطبيقات القضائية:
من المُقرر في قضاء محكمة التمييز أن:
"مفاد المواد 9 و 102 و 107 من القانون رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، أن المشرع قد ناط بالمحققين في دائرة الشرطة والأمن العام الاختصاص بمباشرة التحقيق والتصرف والادعاء في قضايا الجنح، مثلما أناط بالنيابة العامة سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في قضايا الجنايات. وقد خولها سلطة إصدار أوامر القبض والتفتيش والحبس الاحتياطي، وخول النيابة العامة سلطة إصدار الأوامر المقيدة لحرية التنقل بمنع المتهم من السفر في أحوال معينة، وهذه القرارات والأوامر والإجراءات التي تتخذها سلطة التحقيق والاتهام إنما هي إجراءات قضائية تصدر من سلطة التحقيق في الدعوى الجزائية، وبصرف النظر عن النعي عليها بمخالفتها للقانون أو تجاوز السلطة أو غيرها من عيوب عدم المشروعية، وبالتالي يكون التظلم منها وفقاً للمادة 212 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية. لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن الإدارة العامة للتحقيقات بوزارة الداخلية قد أصدرت أمراً بمنع الطاعن من السفر لحين استكمال التصرف النهائي في الجنحة رقم 1040 لسنة 2005 مخفر الصالحية، وذلك لاتهامه بارتكاب الجريمة المنصوص عليها بالمواد 231 و 232 و 234 من قانون الجزاء والتي ما زالت رهن التحقيق، ومن ثم فإن هذا الإجراء يعد عملاً قضائياً لاتصاله بالدعوى الجزائية، وبصرف النظر عن مدى صحته أو تجاوز السلطة في إصداره، فإن التظلم منه يخرج عن ولاية الدائرة المدنية بالمحكمة الكلية، ولا يكون الطعن فيه إلا بالطريق الذي رسمته المادة 212 سالفة الذكر، باعتباره من الأوامر والأعمال الصادرة من سلطة التحقيق بشأن الدعوى الجزائية، وذلك أمام الجهة التي أصدرتها أو المحكمة التي تنظر الموضوع".
(الطعن بالتمييز رقم 330 لسنة 2006 مدني/1 – جلسة 4/6/2007م)

==========================================================


الشروط المتعلقة بالسقوط في وثيقة التأمين

الشروط المتعلقة بالسقوط في وثيقة التأمين

النصوص القانونية:
تنص المادة 782 من القانون المدني (الكويتي) على أنه:
"لا يجوز الاحتجاج على المُؤَمَن له بالشروط المُتعلقة بالبطلان أو بالسقوط أو بالتحكيم، إلا إذا أُبرِزَت بطريقة مُميزة، كأن تكتب بحروف أكثر ظهوراً أو أكبر حجماً".

كما تنص المادة 783 من ذات القانون على أنه:
"لا يُعتد بالشرط الذي يقضي بسقوط حق المُؤَمَن له بسبب تأخره في إعلان الحادث المُؤَمَن منه إلى السلطات، أو في تقديم المستندات، إذا تبين من الظروف أن التأخر كان لعُذر مقبول".

كما تنص المادة 784 من القانون المذكور على أنه:
"يقع باطلاً ما يرد في الوثيقة من الشروط الآتية:
أ‌.         الشرط الذي يستثني من نطاق التأمين الأعمال المُخالفة للقوانين واللوائح ما لم يكن الاستثناء مُحدداً.
ب‌.    كل شرط تعسفي يتبين أنه لم يكن لمخالفته أثر في تحقق الخطر المُؤمَن منه".

المذكرة الإيضاحية للقانون:
ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون – تعليقاً على هذه المواد – ما نصه:
"... وقد عمد المشرع إلى طائفة من الشروط التي يكثر ورودها في العمل، فبين حكمها في المواد من 782 إلى 784، ومن هذه الشروط: شروط رأى المشرع عدم الاعتداد بها أو الاحتجاج بها على المُؤَمَن له، لاعتبارات شكلية، وأخرى رأى عدم الاعتداد بها وإبطالها لأسباب موضوعية.
أما الشروط التي لا يُعتد بها لاعتبارات شكلية فهي: الشروط المطبوعة التي تتعلق بالتحكيم أو بحال من الأحوال التي تؤدي إلى البطلان أو السقوط، إذا لم تُبرز هذه الشروط بطريقة مُميزة، كأن تكتب بحروف أكثر ظهوراً أو أكبر حجماً (المادة 782 مدني)، فإذا لم تُبرز مثل هذه الشروط بشكل مُتميز، فإنه لا يجوز الاحتجاج بها على المُؤَمَن له، أما إذا كانت الشروط مكتوبة بالآلة الكاتبة أو باليد، ومن باب أولى إذا كان مُوقعاً عليها من المُؤَمَن له، فإن هذا يكون كافياً لإعمالها.
أما الشروط التي رأى المشرع عدم الاعتداد بها أو إبطالها لاعتبارات موضوعية فهي:
-       أولاً- الشرط الذي يقضي بسقوط حق المُؤَمَن له بسبب تأخره في إعلان الحادث المُؤَمَن منه إلى السلطات، أو تأخره في تقديم المستندات، إذا تبين من الظروف أن التأخر كان لعُذر مقبول (المادة 783 مدني).
-       ثانياً- الشرط الذي يستثني من نطاق التأمين الأعمال المخالفة للقوانين واللوائح، ما لم يكن الاستثناء مُحدداً (المادة 784/أ)، فإذا استثنى المُؤَمِن من نطاق التأمين "أي عمل" يأتيه المُؤَمَن له مُخالفاً للقوانين واللوائح، كان الاستثناء غير مُحدد، فلا يُعتد به، أما إذا ذكر المُؤَمِن على وجه التحديد المُخالفة التي يستثنيها من نطاق التأمين، كأن يستثني العمل الذي يُخالف "نصاً مُعيناً من قانون معين أو من لائحة مُعينة"، فإن هذا الاستثناء يكون صحيحاً، وتخرج المُخالفة المستثناة من نطاق التأمين، لأن استثنائها مُحدد لا إبهام فيه ولا غموض.
وغني عن البيان أن المُخالفات المنطوية على جنايات أو على جنح عمدية تكون مستثناة دون حاجة إلى نص، لأن التأمين من الخطأ العمدي غير جائز.
-       ثالثاً- كل شرط تعسفي آخر، يتبين أنه لم يكن لمُخالفته أثر في تحقق الخطر المُؤمَن منه (المادة 784/ب).
وقاضي الموضوع هو الذي يُقدر ما إذا كان لمُخالفة الشرط أثر في تحقق الخطر المُؤَمَن منه، فيكون الشرط صحيحاً، أو ليس لمُخالفته أثر، فيكون الشرط تعسفياً ويقع باطلاً فلا يُعتد به ...".

التطبيقات القضائية:
"من المُقرر أن الشروط المتعلقة بالسقوط الواردة في المادة 782 من القانون المدني، والتي يتعين إبرازها بطريقة مُميزة عن باقي شروط وثيقة التأمين، هي تلك التي تنطوي على "جزاء" على مخالفة المؤمن له لشروط الوثيقة، بقصد ردعه ولضمان مصلحة المُؤَمِن، وهو ما لا ينطبق على "الاستثناءات" التي يتفق طرفا عقد التأمين عليها بوثيقة التأمين، باعتبار أن تلك "الاستثناءات" لا تعدو أن تكون تحديداً لنطاق التغطية التأمينية، لا يؤثر في إعمال أثرها أن ترد ضمن شروط الوثيقة وعلى شاكلتها، لأنها لا تُعد "جزاءً" على مخالفة شروط الوثيقة.
ومن المُقرر، وعلى ما أوردته المذكرة الإيضاحية للقانون أن المشرع عمد إلى طائفة من الشروط التي يكثر ورودها في العمل، فبين حكمها في المواد من 782 إلى 784، ومن هذه الشروط: شروط رأى المشرع عدم الاعتداد بها أو الاحتجاج بها على المُؤَمَن له، لاعتبارات شكلية، وأخرى رأى عدم الاعتداد بها وإبطالها لأسباب موضوعية.
أما الشروط التي لا يُعتد بها لاعتبارات شكلية فهي: الشروط المطبوعة التي تتعلق بالتحكيم أو بحال من الأحوال التي تؤدي إلى البطلان أو السقوط، إذا لم تُبرز هذه الشروط بطريقة مُميزة، كأن تكتب بحروف أكثر ظهوراً أو أكبر حجماً (المادة 782 مدني)، فإذا لم تُبرز مثل هذه الشروط بشكل مُتميز، فإنه لا يجوز الاحتجاج بها على المُؤَمَن له، أما إذا كانت الشروط مكتوبة بالآلة الكاتبة أو باليد، ومن باب أولى إذا كان مُوقعاً عليها من المُؤَمَن له، فإن هذا يكون كافياً لإعمالها.
أما الشروط التي رأى المشرع عدم الاعتداد بها أو إبطالها لاعتبارات موضوعية فهي:
-       أولاً- الشرط الذي يقضي بسقوط حق المُؤَمَن له بسبب تأخره في إعلان الحادث المُؤَمَن منه إلى السلطات، أو تأخره في تقديم المستندات، إذا تبين من الظروف أن التأخر كان لعُذر مقبول (المادة 783 مدني).
ثانياً- الشرط الذي يستثني من نطاق التأمين الأعمال المخالفة للقوانين واللوائح، ما لم يكن الاستثناء مُحدداً (المادة 784/أ)، فإذا استثنى المُؤَمِن من نطاق التأمين "أي عمل" يأتيه المُؤَمَن له مُخالفاً للقوانين واللوائح، كان الاستثناء غير مُحدد، فلا يُعتد به، أما إذا ذكر المُؤَمِن على وجه التحديد المُخالفة التي يستثنيها من نطاق التأمين، كأن يستثني العمل الذي يُخالف "نصاً مُعيناً من قانون معين أو من لائحة مُعينة"، فإن هذا الاستثناء يكون صحيحاً، وتخرج المُخالفة المستثناة من نطاق التأمين، لأن استثنائها مُحدد لا إبهام فيه ولا غموض.
لما كان ذلك، وكان البين من وثيقة التأمين المُحررة فيما بين المستأنفة والمستأنف ضدها الأولى رقم (.........) أن الطرفين اتفقا في البند السادس منها على أن "يتحمل المُشترك نسبة 50% من كامل قيمة الأضرار في حال انقلابه أو صدمه رصيفاً أو عاموداً أو أي شيء غير المركبات أو سقوطه في حفرة، إذا لم يُسجَل بإخطار الحادث "طرف ثان"، وذلك الذي اتفق عليه الطرفين لا يُعد اتفاقاً على البطلان أو السقوط أو التحكيم، أي مما يتعين إبرازُه بشكل واضح في الوثيقة، ولا يستلزم ذلك البند ثمة شرطاً شكلياً أو موضوعياً لإبطال تنفيذه ... وهو ما يتعين معه إلزام المستأنف ضدها الأولى بتحمل نصف ذلك المبلغ وقدره (.........)، وهو ما تلتزم المُستأنفة بأدائه فقط، وإذ خالف الحكم المُستأنف هذا النظر، فإن المحكمة تقضي بتعديله بإلزام المُستأنفة بأن تؤدي للمُستأنف ضدها الأولى مبلغ (.........) وذلك على ما سيرد بالمنطوق".
(الاستئناف رقم 1224 لسنة 2016 تجاري/14 – جلسة 30/3/2016م)

ومن المُقرر في قضاء محكمة التمييز أنه:
"من المُقرر أنه ولئن كان الأصل هو حرية المتعاقدين في تعديل قواعد المسئولية العقدية التي أنشأتها إرادتهما المُستقلة في حدود القانون والنظام العام، فيجوز في عقد التأمين أن يُشترط سقوط حق المُؤَمَن له "كجزاء" اتفاقي على مُخالفته لالتزاماته الاتفاقية، إلا أنه بالنظر للخطورة التي يتسم بها السقوط في مجال التأمين، كان من الطبيعي أن يُحاط هذا السقوط بقيود شكلية تضمن لفت نظر المُؤَمَن له إلى خطورة الجزاء الذي سينزل به إذا لم يُنفذ بعض الالتزامات التي يراها المُؤَمِن هامة بالنسبة له، وبقيود موضوعية حتى لا يكون السقوط وسيلة لتعسف من جانب المُؤَمِن، ومن بين الشروط التي لا يُعتد بها - لاعتبارات شكلية - هي الشروط المطبوعة التي تتعلق بحالة من الأحوال التي تؤدي إلى البطلان أو السقوط إذا لم تُبرز هذه الشروط بطريقة مُميزة كأن تكتب بحروف أكثر ظهوراً أو أكبر حجماً، عملاً بحكم المادة 782 من القانون المدني، فإذا لم تُبرز مثل هذه الشروط بشكل مُميز، لا يجوز الاحتجاج بها على المُؤَمَن له".
(الطعن بالتمييز رقم 1019 لسنة 2004 تجاري/2 – جلسة 30/11/2005م)

==========================================================


الخميس، أبريل 07، 2016

انشغال .. وليس .. اشتغالاً - مقال/ للكتاب فهمي هويدي



صحيفة الشرق القطرية الأربعاء 28 جمادى الآخرة 1437 – 6 أبريل 2016

انشغال وليس اشتغالا - فهمي هويدي


في حيثيات حكم فصل ٣٢ قاضياً مصرياً من وظائفهم أنهم أعلنوا موقفا من الأحداث السياسية الحاصلة في البلاد (عام ٢٠١٣)، وهو ما اعتبر "من صميم السياسة المحظور على القضاة الاشتغال بها أو الاقتراب منها أو حتى الإدلاء برأي فيها".
لذلك أدانت الحيثيات هذا الموقف الذي وصفته بأنه «خروج فادح وفاضح عن نطاق العمل القضائي وشذوذ جسيم عن التقاليد القضائية الراسخة التي تلزم القاضي بحدود لا يتجاوزها».
وفي تبيان تلك الحدود أوضحت الحيثيات أن القاضي «ليس شخصية عامة. ومن ثم فعليه أن يلتزم محرابه عاكفا على عمله القضائي، ينأى بنفسه عن السياسة بما لها وما عليها، ولا يجهر برأي في الشؤون العامة للبلاد، أو يشارك في مجلس يناقشها علنا أو في إلقاء بيان بشأنها".
الحيثيات التي دعت القاضي ليس فقط لأن ينأى بنفسه عن السياسة، وإنما حرمت عليه أن يجهر برأي في الشؤون العامة للبلاد صدرت عن المجلس الأعلى لتأديب القضاة، الذي يرأسه المستشار أحمد جمال الدين عبد اللطيف رئيس محكمة النقض.
وحين نشرتها بعض الصحف التي صدرت يوم الاثنين الماضي ٤/٤/2016، فإن جريدة "الشروق" كشفت عن مفارقة محرجة.
ذلك أنها في مقابل الصفحة السابعة التي تضمنت عرضا للحيثيات نشرت على الصفحة السابعة تقريرا عن جلسة افتتاح البرنامج المصري الإفريقي لمكافحة الإرهاب والجريمة الدولية.
وفوجئنا بأن كلمة الافتتاح ألقاها المستشار أحمد جمال الدين عبد اللطيف رئيس محكمة النقض رئيس مجلس تأديب القضاة.
وفي كلمته شبه الإرهاب الذي تشهده مصر بالسرطان الذي انتشر ودعا إلى ضرورة التعاون لمكافحته.
كما تحدث عن علاقات مصر الإفريقية وعبر عن أسفه لأن المغرب العربي لم يمثل في اللقاء ...الخ.
الشاهد أن كلمة المستشار أحمد جمال الدين نقضت ما ورد في حيثيات حكم المجلس الأعلى لتأديب القضاة الذي يرأسه.
ذلك أن الرجل تكلم في السياسة وفي الشأن العام وخرج من المحراب الذي دعا القضاة إلى الاعتكاف فيه.
ومن ثم أباح لنفسه ما حرمه على غيره، بل عاقبهم على فعله بالفصل من وظائفهم.
لا تفسير لتلك المفارقة سوى أن حظر الكلام في السياسة نسبي وليس مطلقاً.
فما كان منه سابحا مع التيار ومائلا مع الريح فهو مباح ومرغوب، وكل ما عدا ذلك يتراوح بين الكراهة والتحريم والتجريم.
الطريف أن رئيس النقض الذي عبر في حيثيات الحكم عن تشدده في منع القضاة من الكلام في السياسة أو الشأن العام أقدم على مفارقة أخرى.
ذلك أنه سعى إلى إعادة وزير العدالة الانتقالية السابق المستشار إبراهيم هنيدي، إلى منصة القضاء، رغم أنه كان في قلب السياسة وممارساتها.
لكنه ضن بذلك على وزير العدل الأسبق المستشار أحمد سليمان الذي لم يعد إلى عمله لأنه كان جزءا من سياسة أخرى لا يحبها.
ذكرت الحيثيات أيضا أن سلوك القضاة حين أعلنوا موقفا من الأحداث الجارية يعد خروجا فادحا وفاضحا عن نطاق العمل القضائي وشذوذا جسيما عن التقاليد القضائية الراسخة.
وهو ما أثار انتباهي وشككني في معلوماتي، حيث ظننت أن شيئا تغير في التقاليد القضائية التي أعرفها في هذا الصدد، بعد انقطاعي عن دراسة القانون طوال نصف القرن الأخير.
وحين تحريت الأمر وجدت أن الشك ليس في محله، وأن التقاليد القضائية الراسخة لا تؤيد الحجة التي أوردتها الحيثيات، إذ صحيح أن قانون السلطة القضائية حظر على القضاة الاشتغال بالسياسة كما حظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية.
إلا أن التقاليد القضائية فرقت بين الاشتغال الفعلي بالعمل السياسي كالانضمام إلى الأحزاب السياسية وبين الانشغال بها وإبداء الرأي فيها ضمن انشغال القاضي بالشأن العام.
والحظر يشمل الأولى دون الثانية.
ولمجلس الدولة فتوى مستقرة في هذا الصدد أحدثت تلك التفرقة أصدرها في بداية الخمسينيات (الفتوى رقم ٣٥١ للسنة الرابعة قضائية).
وهو الرأي الذي جرى اعتماده في المناقشات التي جرت حول تفسير المقصود بحظر الاشتغال بالسياسة.
سواء تلك التي جرت في مجلس الشيوخ المصري أو بين فقهاء القانون المعتبرين أو فيما قررته الاتفاقات الدولية.
        هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن إبداء الرأي في الشأن السياسي أو في غيره من الشؤون العامة للبلاد لا يشمله الحظر كما ذكرت الحيثيات.
ليس فقط لأن الأصل في الأشياء الإباحة ولكن أيضا لأن القاضي مواطن يفترض أنه يحمل بطاقة انتخابية تعطيه الحق في أن يشارك برأيه في الانتخابات والاستفتاءات التي هي من الشأن العام.
ولأن الأمر كذلك فأخشى أن يكون فصل القضاة، وأغلبهم من دعاة استقلال القضاء وممن قاوموا وفضحوا تزوير الانتخابات، قد أنبنى على تفسير خاطئ لم يفرق بين الاهتمام بالشأن الوطني العام وبين الانخراط في العمل الحزبي.
وحين تدرك أن ذلك التأويل لحدود الحظر أدى إلى فصل نحو ٦٧ قاضيا ومستشارا، على دفعات، الأمر الذي أدى إلى التنكيل بهم سواء بحرمانهم من حقوقهم المادية أو منعهم حتى من الاشتغال بالمحاماة فضلا عن منعهم من السفر، فإن الحكم في هذه الحالة لا يدعو فقط إلى تشريدهم وتجويعهم. وإنما يعد إهانة للقضاة والقضاء.

=====================
فهمي هويدي