الثلاثاء، مايو 23، 2017

إباحة السب والقذف - إذا كان من مقتضيات الدفاع .. عن الحق مثار النزاع




تنص المادة (28) من قانون الجزاء الكويتي على أنه: "لا جريمة إذا ارتكب الفعل بنية حسنة استعمالا لحق يقرره القانون، بشرط أن يكون مرتكبه قد التزم حدود هذا الحق".

كما تنص المادة (213) من ذات القانون على أنه: "لا جريمة إذا وقعت الافعال المنصوص عليها في المواد السابقة (الخاصة بالسب والقذف) في الاحوال الاتية:
أولاُ- إذا صدرت الأقوال أو العبارات المنشورة من موظف أو غير موظف، تنفيذا لحكم القانون أو استعمالا لاختصاص أو لحق يقرره.
ثانياً- اذا كانت الأقوال أو العبارات المنشورة لا تعدو أن تكون سرداً أو تلخيصاً أمينا لما دار في اجتماع عقده، وفقا للقانون، مجلس أو هيئة أو لجنة لها اختصاص يعترف به القانون، أو لما دار أمام محكمة أو أثناء إجراءات قضائية، بشرط ألا يكون قد صدر وفقا للقانون قرار بحظر النشر.
ثالثاً- إذا كانت الأقوال أو العبارات قد أذيعت اثناء اجراءات قضائية من شخص اشترك في هذه الاجراءات، كقاض أو مدع أو محام أو شاهد أو طرف في الدعوى.
وفى الاحوال المتقدمة الذكر، يستوى أن تكون الأقوال أو العبارات صحيحة أو غير صحيحة، ويستوى أن يكون من صدرت منه يعتقد صحتها أو لا يعتقد ذلك، ويستوى أن يكون النشر قد تم بحسن نية أو بسوء نية".

وتنص المادة (214) من ذات القانون على أنه: "لا جريمة إذا كان القذف يتضمن واقعة تقدر المحكمة ان المصلحة العامة تقتضى الكشف عنها. ويدخل في هذه الحالة بوجه خاص:
أولاً- ان تتضمن الاقوال أو العبارات ابداء الرأي في مسلك موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، بشأن واقعة تتعلق بأعمال وظيفته أو بالخدمة المكلف بها، بالقدر الذي تكشف عنه هذه الواقعة.
ثانياً- ان تتضمن الاقوال أو العبارات نقدا أو حكما من أي نوع كان يتعلق بعمل علمي أو أدبى أو فنى أيا كان، قدمه صاحبه الى الجمهور متوقعا ان يبدى رأيه فيه.
ثالثاً- ان تصدر الاقوال أو العبارات من شخص له، بناء على نص القانون أو بناء على عقد، سلطة الرقابة والتوجيه على آخر. وتضمنت انتقادا لمسلكه في أمر يدخل في نطاق هذه السلطة، وبالقدر الذى يكشف عنه تصرفه ازاء هذا الامر.
رابعاً- ان تتضمن الاقوال أو العبارات شكوى مقدمة الى شخص له، بحكم القانون أو بناء على عقد، سلطة الفحص أو الحكم في الشكاوى التي تتعلق بمسلك شخص معين أثناء ادائه عملا معينا، بشرط أن تقتصر الاقوال أو العبارات على وقائع تتعلق بالعمل الذى يختص من قدمت اليه الشكوى بنظر الشكاوى المقدمة بشأنها.
خامسا - ان يكون من صدرت منه الاقوال أو العبارات يريد بها حماية مصلحة له أو لغيره يعترف بها القانون، ولا يحظر حمايتها عن طريق هذه الاقوال أو العبارات، بشرط التزام القدر اللازم لتحقيق الحماية".

ومن المقرر في قضاء محكمة النقض أنه:
"لما كان نص المادة 309 من قانون العقوبات قد جرى على أنه " لا تسرى أحكام 302 ، 303 ، 305 ، 306 ، 308 على ما يسنده أحد الخصوم لخصمه في الدفاع الشفوي أو الكتابي أمام المحاكم"، فإن ذلك لا يترتب عليه إلا المقاضاة المدنية أو المحاكمة التأديبية، و كان الفصل فيما إذا كانت عبارات السب أو القذف مما يستلزمه الدفاع متروكاً لمحكمة الموضوع، وكانت المحكمة الاستئنافية قد رأت أن العبارات التي تضمنتها صحيفة المعارضة التي رفعها المدعى عليه "المطعون ضده" والغرض الذى سيقت من أجله إنما تتصل بالنزاع القائم وبالقدر الذى تقتضيه مرافعة الخصم عن حقه وانتهت في منطق سليم إلى أن تلك العبارة مما تمتد إلى حماية القانون، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم مما أسند إليه وبرفض طلب التعويض تأسيساً على تعلق تلك العبارات بالخصومة ومناسبتها لسياق الدفاع و مقتضياته لا يكون قد أخطأ في شيء".
(نقض جنائي، في الطعن رقم 511 لسنة 51 قضائية – جلسة 6/4/1982 – مجموعة المكتب الفني – السنة 33 – صـ 434 – فقرة 1).

وأنه:
"من المقرر أن مناط تطبيق المادة 309 من قانون العقوبات أن تكون عبارات السب التي أسندت من الخصم لخصمه في المرافعة مما يستلزمه الدفاع عن الحق مثار النزاع، إلا أنه لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه قد خلا من بيان موضوع الدعوى التي حرر المطعون ضده بشأنها صحيفة الادعاء المباشر والتي اشتملت على عبارات السب، ومدى اتصال هذه العبارات بالنزاع القائم والقدر الذي تقتضيه مدافعة الخصم عن حقه، حتى يتضح من ذلك وجه استخلاص الحكم أن عبارات السب مما يستلزمه حق الدفاع في هذا النزاع. كما أنه لم يورد مضمون الخصومات والدعاوي القائمة بين طرفي النزاع والتي إرتكن إليها في قضائه بالبراءة أيضا مما يكون معه الحكم المطعون فيه معيبا بالقصور الذي يعجز محكمة النقض عن مراقبة صحة تطبيق القانون على واقعة الدعوى مما يوجب نقضه".
(نقض جنائي، في الطعن رقم 12627 لسنة 66 قضائية – جلسة 23/4/2003م).
(نقض جنائي، في الطعن رقم 20217 لسنة 65 قضائية – جلسة 6/1/2005م).


الاثنين، أبريل 24، 2017

كتاب كيف يجب علينا أن نفسر القرآن الكريم - للشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني - بصغية وورد doc



كيف يجب علينا أن نفسر القرآن الكريم

للعلامة المحدث

محمد ناصر الدين الألباني
رحمه الله تعالى

مقدمة الناشر:
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد فهذه رسالة (كيف يجبُ علينا أن نفسر القران الكريم؟) وأصلها أسئلة أُلقيت على الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى, فأجاب عنها مسجلةً, ثم فُرغت وطبعت في أوراق, وقدمت للشيخ رحمه الله تعالى, فقرأها وعلق عليها بخط يده.
وقد رأت المكتبة الإسلامية في عمان أن تنشرها اليوم لتعم بها الفائدة, ولينتشر علمُ الشيخ رحمه الله, وليؤجر عليها في قبره رحمه الله.
وهي على صغر حجمها عظيمة الفائدة كبيرة النفع للأمة الإسلامية بأسرها, إذ إنها توضح الأصول والقواعد التي يجب علينا أن ننهجها إذا أردنا أن نفسر القران الكريم بالطريقة الصحيحة التي يرضاها ربنا تبارك وتعالى, والتي شرعها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, ثم اتبعها من بعده خير هذه الأمة: صحابته, ثم التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين.
كما أن فيها على صغر حجمها الشيء الكثير من القواعد العامة التي تهم كل مسلم يريد أن يكون من الفرقة الناجية, والتي يجب عليه أن يتمسك ويعمل بها حتى تقوده إلى الطريق الصحيح, كقاعدة (كلما أُحييت سنة أُميتت سنة) وغيرها من تلك القواعد النورانية التي فتح الله بها على الشيخ رحمه الله وغفر له, فقد كان واسع العلم والمعرفة بشريعة الإسلام وبسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم وصدق ربنا إذ يقول (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة – 11].
رحم الله الشيخ, وجزى القائمين على نشر علمه من بعده خيراً, ونفع بهذا العلم كل مسلم أطلع عليه.
الناشر
عمان في 4 ذي الحجة 1420هـ



سؤال 1: فضيلة الشيخ! قرأت في كتاب صغير حديثاً يقول (خذ من القرآن ما شئت لما شئت) فهل هذا الحديث صحيح؟ افيدونا جزاكم الله خيراً.

الجواب: هذا الحديث (خذ من القران ما شئت لما شئت)(1) حديث مشتهر على بعض الألسنة ولكنه - مع الأسف الشديد - من تلك الأحاديث التي لا أصل لها في السنة, ولذلك فلا يجوز روايته ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم، هذا المعنى الواسع الشامل لا يصح ولا يثبت مطلقاً في شريعة الإسلام: (خذ من القرآن ما شئت لما شئت) فمثلا إن أنا جلست في عقر داري, ولا أعمل في مهنتي وصنعتي, وأطلب الرزق من ربي أن ينزله علي من السماء لأني آخذ من القران لهذا! من يقول هذا؟!
هذا كلام باطل, ولعله من وضع أولئك الصوفية الكسالى الذين طُبعوا على الجلوس والسكن فيما يسمونها بالرباطات, ينزلون فيها وينتظرون رزق الله ممن يأتيهم به من الناس, علماً أن هذا ليس من طبيعة المسلم, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربى المسلمين جميعاً على علو الهمة, وعلى عزة النفس, فقال عليه الصلاة والسلام (اليدُ العليا خير من اليد السفلى, فاليد العليا هي المنفقة, واليد السفلى هي السائلة)(2).
ويُعجبني بهذه المناسبة مما كنت قرأته فيما يتعلق ببعض الزهاد من الصوفية - ولا أطيل في ذلك, فقصصهم كثيرة وعجيبة - زعموا أن أحدهم خرج سائحاً ضارباً في الأرض بغير زاد, فوصل الأمر إلى أنه كاد أن يموت جوعاً, فبدت له من بعيد قرية, فأتى إليها, وكان اليوم يوم الجمعة, وهو بزعمه خرج متوكلاً على الله, فلكيلا ينقض بزعمه توكله المزعوم, لم يظهر شخصه للجمهور الذي في المسجد, وإنما انطوى على نفسه تحت المنبر, لكيلا يشعر به أحد, لكنه كان يحدث نفسه لعل أحداً يُحس به, وهكذا خطب الخطيب خطبته, وهو لم يُصل مع الجماعة! فبعد أن انتهى الإمام من الخطبة والصلاة, وبدأ الناس يخرجون زرافات ووحداناً من أبواب المسجد, حتى شعر الرجل بأن المسجد كاد يخلو من الناس, وحينئذٍ تُقفل الأبواب, ويبقى وحيداً في المسجد من غير طعام ولا شراب, فلم يسعه إلا أن يتنحنح ليثبت وجوده للحاضرين, فالتفت بعض الناس, فوجدوه قد تحول كأنه عظم من الجوع والعطش, فأخذوه وأغاثوه.
وسألوه: من أنت يا رجل؟!
قال: أنا زاهد متوكل على الله.
قالوا: كيف تقول: متوكل على الله, وأنت كدت أن تموت؟! ولو كنت متوكلاً على الله لما سألت, ولما نبهت الناس إلى وجودك بالنحنحة, حتى تموت بذنبك؟!
هذا مثال إلى ما يؤدي به مثلُ هذا الحديث (خذ من القرآن ما شئت لما شئت).
والخلاصة: أن هذا الحديث لا أصل له.


سؤال 2: فضيلة الشيخ! يقول القرآنيون: قال تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء – 12] ، وقال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام – 38] ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن هذا القرآن طرفه بيد الله, وطرفه بأيديكم, فتمسكوا به, فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بهده أبداً) (3). نرجو من فضيلتكم التعليق على ذلك.

الجواب: أما قوله تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)
[الأنعام – 38], فهذه الآية إنما تعني الكتاب هُنا: اللوح المحفوظ, ولا تعني: القران الكريم.
أما قوله تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء – 12], فإذا ضممتم إلى القران الكريم ما تقدم بيانه آنفا, فحينئذٍ يتم أن الله عز وجل قد فصل كل شيء تفضيلاً, لكن بضميمة أخرى, فإنكم تعلمون أن التفصيل قد يكون تارة بالإجمال, بوضع قواعد عامة يدخل تحتها جزئيات لا يمكن حصرها لكثرتها, فبوضع الشارع الحكيم لتلك الجزئيات الكثيرة قواعد معروفة ظهر معنى الآية الكريمة, وتارة التفصيل وهو المتبادر من هذه الآية, كما قال عليه الصلاة والسلام (ما تركتُ شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به, ولا تركتُ شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه)(4).
فالتفصيل إذاً تارة يكون بالقواعد التي لا تدخل تحتها جزئيات كثيرة, وتارة يكون بالتفصيل لمفردات عبادات وأحكام تفصيلاً لا يحتاج إلى الرجوع إلى قاعدة من تلك القواعد.
ومن القواعد التي لا يدخل تحتها فرعيات كثيرة - وتظهر بها عظمة الإسلام وسعة دائرة الإسلام في التشريع - قوله صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال :
(لا ضرر ولا ضرار)(5)، وقوله عليه السلام (كل مسكر خمر, وكل خمر حرام)(6)، وقوله عليه السلام (كل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار)(7).
هذه قواعد وكليات لا يفوتها شيء مما يتعلق بالضرر بالنفس أو الضرر بالمال في الحديث الأول, وما يتعلق بما يُسكر كما في الحديث الثاني, سواء كان المسكر مستنبطاً من العنب - كما هو المشهور - أو من الذرة, أو من أي مادة من المواد الأخرى, فما دام لأنه مُسكر فهو حرام. كذلك في الحديث الثالث: لا يمكن حصر البدع لكثرتها, ولا يمكن تعدادها ومع ذلك فهذا الحديث - مع إيجازه - يقول بصراحة (وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار).
هذه تفصيل لكن بقواعد.
وأما الأحكام التي تعرفونها, فهي مفصلة بمفردات جاء ذكرها في السنة على الغالب, وأحياناً كأحكام الإرث مثلاً فهي مذكورة في القران الكريم.
أما الحديث الذي جاء ذكره, فهو حديث صحيح, فالعمل به هو الذي بإمكاننا أن نتمسك به, وكما جاء في الحديث (تركت فيكم أمرين, لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله, وسنة رسوله)(8).
فالتمسك بحبل الله - الذي هو بأيدينا - إنما هو العمل بالسنة المُفصلة للقران الكريم.


سؤال 3: هناك من يقول: إذا عارض الحديث آية من القران, فهو مردود مهما كانت درجة صحته, وضرب مثالاً لذلك بحديث (إن الميت ليُعذب ببكاء أهله عليه )(9), واحتج بقول عائشة في ردها الحديث بقول الله عز وجل (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر18], فكيف على يُرد على من يقول ذلك؟

الجواب: رد هذا الحديث هو من مشاكل رد السنة بالقران وهو يدل على انحراف ذلك الخط.
أما الجواب عن هذا الحديث - وأخص به من تمسك بحديث عائشة رضي الله عنها فهو:
*أولاً: من الناحية الحديثية: فإن هذا الحديث لا سبيل لرده من الناحية الحديثية، اثنين:

أ - أن جاء بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ب - أن ابن عمر رضي الله عنه لم يتفرد به, بل تابعه على ذلك عمر بن الخطاب وهو وابنه لم يتفردا به, فقد تابعهما المغيرة بن شُعبة, وهذا مما يحضرني في هذه الساعة بأن هذه الروايات عن هؤلاء الصحابة الثلاثة رضي الله عنهم في الصحيحين.
أما لو أن الباحث بحث بحثاً خاصاً في هذا الحديث فيسجد له طرقاً أخرى, وهذه الأحاديث الثلاثة كلها أحاديث صحيحة الأسانيد فلا تُرد بمجرد دعوى التعارض مع القران الكريم.
* ثانياً: من الناحية التفسيرية: فإن هذا الحديث قد فسره العلماء بوجهين:
الوجه الأول: أن هذا الحديث إنما ينطبق على الميت الذي كان يعلم في قيد حياته أن أهله بعد موته سيرتكبون مخالفات شرعية, ثم لم ينصحهم ولو يوصهم أن لا يبكوا عليه, لأن البكاء يكون سبباً لتعذيب الميت .
و - ال - التعريف في لفظ (الميت) هنا ليست للاستغراق والشمول, أي: ليس الحديث بمعنى أن كل ميت يُعذب ببكاء أهله عليه, وإنما - ال - هنا للعهد, أي: الميت الذي لا ينصح بألا يرتكبوا بعد وفاته ما يخالف الشرع, فهذا الذي يعذب ببكاء أهله عليه, أما من قام بواجب النصيحة, وواجب الوصية الشرعية بألا ينوحوا عليه, وألا يأتوا بالمنكرات التي تُفعل خاصة في هذا الزمان, فإنه لا يُعذب وإذا لم يُوص ولم ينصح عُذب.
هذا التفصيل هو الذي يجب أن نفهمه من التفسير الأول لكثير من العلماء المعروفين والمشهورين, كالنووي وغيره, وإذا عرفنا هذا التفصيل, وضح ألا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى), إنما يظهر التعارض فيما لو فُهم أن - ال - في لفظ (الميت) إنما هي للاستغراق والشمول, أي: كل ميت يُعذب, حينئذٍ يُشكل الحديث ويتعارض مع الآية الكريمة, أما إذا عرفنا المعنى الذي ذكرناه آنفا, فلا تعارض ولا إشكال, لأن الذي يُعذب إنما يُعذب بسبب عدم قيامه بواجب النصح والوصية, هذا الوجه الأول مما قيل في تفسير هذا الحديث لدفع التعارض.
أما الوجه الثاني: فهو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض مصنفاته, أن العذاب هنا ليس عذاباُ في القبر, أو عذاباً في الآخرة, وإنما هو بمعنى التألم وبمعنى الحزن, أي: إن الميت إذا سمع بكاء أهله عليه, أسف وحزن لحزنهم هم عليه.
هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية, وهذا لو صح لاستأصل شأفة الشبهة.
لكني أقول: أن هذا التفسير يتعارض مع حقيقتين اثنتين لذلك لا يسعنا إلا أن نعتمد على التفسير الأول للحديث:
الحقيقة الأولى: أن في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه الذي أشرت إليه آنفا زيادة تبين أن العذاب ليس بمعنى التألم, وإنما هو بمعنى العذاب المتبادر, أي: عذاب النار, إلا أن يعفو الله تبارك وتعالى, كما هو صريح قوله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء – 48], ففي رواية المغيرة قال (إن الميت ليُعذب ببكاء أهله يوم القيامة), فهذا صريح بأن الميت يُعذب بسبب بكاء أهله عليه يوم القيامة, وليس في القبر, وهو الذي فسره ابن تيمية بالألم والحزن.
الحقيقة الأخرى: هي أن الميت إذا مات لا يحس بشيء يجري من حوله, سواء أكان هذا الشيء خيراً أو شراً - كما تدل عليه أدلة الكتاب والسنة - اللهم إلا في بعض المناسبات التي جاء ذكرها في بعض الأحاديث, إما كقاعدة لكل ميت, أو لبعض الأموات, حيث أسمعهم الله عز وجل بعض الشيء الذي يتألمون به.
فمن الأول: الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه - حتى إنه سمع قرع نعالهم - أتاه ملكان)(10), ففي هذا الحديث الصحيح إثبات سمع خاص للميت في وقت دفنه, وحين ينصرف الناس عنه, أي: في الوقت الذي يُجلسه الملكان أُعيدت الروح إليه, فهو في هذه الحالة يسمع قرع النعال, فلا يعني الحديث بداهة أن هذا الميت وكل الأموات تُعاد إليهم أرواحهم, وأنهم يظلون يسمعون قرع النعال المارة بين القبور إلى يوم يبعثون! لا.
إنما هذا وضعٌ خاص وسماع خاص من الميت, لأنه أُعيدت روحه إليه, وحينئذٍ لو أخذنا بتفسير ابن تيمية رحمه الله, وسعنا دائرة إحساس الميت بما يجري حوله, سواءً عند نعشه قبل دفنه, أو بعد وضعه في قبره, ومعنى ذلك: أن يسمع بكاء الأحياء عليه وهذا يحتاج إلى نص, وهو مفقود. هذا أولاً.
وثانياً: بعض نصوص الكتاب والسنة الصحيحة تدل على أن الموتى لا يسمعون, وهذا بحث طويل, ولكني سأذكر حديثاً واحداً, وأنهي الجواب عن السؤال، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)(11), وقوله (سياحين) أي: طوافين على المجالس, فكلما صلى مسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, فهناك ملك موكل يوصل السلام من ذاك المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فلو كان الأموات يسمعون, لكان أحق هؤلاء الأموات أن يسمع هو نبينا صلى الله عليه وسلم, لما فضله الله تبارك وتعالى, وخصه بخصائص على كل الأنبياء والرسل والعالمين, فلو كان أحدٌ يسمع لكان النبي صلى الله عليه وسلم ثم لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع شيئا بعد موته, لسمع صلاة أمته عليه.
ومن هنا تفهمون خطأ - بلا ضلال - الذين يستغيثون ليس بالنبي صلى الله عليه وسلم بل وبمن دونه, سواء كانوا رسلا أو أنبياء أو صالحين, لأنه لو استغاثوا بالرسول عليه الصلاة والسلام لما سمعهم, كما هو صريح القران (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) [الأعراف – 194], و (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) [فاطر – 14] إلى آخر الآية.
إذا فالموتى من بعد موتهم لا يسمعون, إلا ما جاء النص في قضية خاصة - كما ذكرت آنفا - من سماع الميت قرع النعال, وبهذا ينتهي الجواب عن هذا السؤال.


سؤال 4: إذا كانت المسجلة مفتوحةً على القرآن الكريم, وبعض الحاضرين لا يستمعون بسبب أنهم مشغولون بالكلام, فما حكم عدم الاستماع؟ وهل يأثم أحد من الحاضرين أو الذي فتح المسجلة؟

الجواب: الجواب عن هذه القضية يختلف باختلاف المجلس الذي يُتلى فيه القران من المُسجلة, فإن كان المجلس مجلس علم وذكر وتلاوة قران, فيجب - والحالة هذه - الإصغاء التام, ومن لم يفعل فهو آثم, لمخالفته بقول الله تبارك وتعالى في القران (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف – 204].
أما إذا كان المجلس ليس مجلس علم ولا ذكر ولا تلاوة قران, وإنما مجلس عادي, كأن يكون إنسان يعمل في البيت, أو يدرس أو يطالع, ففي هذه الحالة لا يجوز فتح آلة التسجيل, ورفع صوت التلاوة بحيث يصل إلى الآخرين الذين هم ليسوا مكلفين بالسماع, لأنهم لم يجلسوا له, والمسؤول هو الذي رفع صوت المسجلة وأسمع صوتها للآخرين, لأنه يُحرجُ على الناس, ويحملهم على أن يسمعوا للقران في حالة هم ليسوا مستعدين لها(*).
وأقرب مثال على هذا: أن أحدنا يمر في الطريق, فيسمع من الدكان الذي يبيع هذه الأشرطة المُسجلة (الكاسيتات) صوت القرآن قد ملاء المكان, وأينما ذهبت تسمع هذا الصوت, فهل هؤلاء الذين يمشون في الطريق - كل في سبيله - هم مكلفون أن ينصتوا لهذا القران الذي يُتلى في غير محله؟! لا, وإنما المسؤول هو هذا الذي يُحرجُ على الناس, ويسمعهم صوت القرآن, إما للتجارة أو لإلفات نظر الناس, ونحو ذلك من المصالح المادية, فإذاً هم يتخذون القرآن من جهةٍ مزامير - كما جاء في بعض الأحاديث(12), ثم هم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً في أسلوب آخر غير أسلوب اليهود والنصارى الذين قال الله عز وجل في حقهم في هذه الآية (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) [التوبة - 9].


سؤال 5: إن الله عز وجل يُخبر عن نفسه فيقول (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران – 54], فربما يضيق عقل بعض الناس عن فهم هذه الآية على ظاهرها, وبما أننا لسنا بحاجة للتأويل, فكيف يكون الله خير الماكرين؟!

الجواب: المسألة سهلة بفضل الله, وذلك لأننا نستطيع أن نعرف أن المكر - من حيث هو مكر- لا يوصف دائماً وأبداُ بأنه شر, كما إنه لا يوصف دائما وأبدا بأنه خير, فرُب كافر يمكر بمسلم, لكن هذا المسلم كيس فطن ليس مغفلا ولا غبيا, فهو متنبه لمكر خصمه الكافر, فيعامله على نقيض مكره هو, بحيث تكون النتيجة أن هذا المسلم بمكره الحسن قضى على الكافر بمكره السيئ, فهل يقال: إن هذا المسلم حينما مكر بالكافر تعاطى أمراً غير مشروع؟ لا أحد يقول هذا.
ومن السهل أن تفهموا هذه الحقيقة من قوله عليه الصلاة والسلام (الحرب خدعة)(13), فالذي يقالُ في الخدعة يُقال في المكر تماماً, فمخادعة المسلم لأخيه المسلم حرام, لكن مخادعة المسلم للكافر عدو الله وعدو رسوله هذا ليس حراماً, بل هو واجب, كذلك مكر المسلم بالكافر الذي يريد المكر به - بحيث يبطل هذا المسلم مكر الكافر - هذا مكر حسن, وهذا إنسان وذاك إنسان.
فماذا نقول بالنسبة لرب العالمين القادر العليم الحكيم؟
ها هو يبطل مكر الماكرين جميعاً لذلك قال (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ), فحينما وصف ربنا عز وجل نفسه بهذه الصفة؟ قد لفت نظرنا بأن المكر حتى من البشر ليس دائماً, لأنه قال (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فهناك ماكر بخير, وماكر بشر, فمن مكر بخير لم يُذم, والله عز وجل كما قال (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
وباختصار أقول: كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك, فإذا توهم الإنسان أمراً لا يليق بالله, فليعلم رأساً أنه مخطئ, فهذه الآية هي مدح لله عز وجل, وليس فيها أي شيء لا يجوز نسبته إلى الله تبارك وتعالى.


سؤال 6: كيف نوفق بين هاتين الآيتين (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) [آل عمران – 85], وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [المائدة – 69]؟

الجواب: لا تعارض بين الآيتين كما يوهم السؤال, وذلك لأن آية الإسلام هي بعد أن تَبلُغً دعوةُ الإسلامِ أولئك الأقوام الذين وصفهم الله عز وجل في الآية الثانية (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وذكر منهم الصابئة, والصابئة حينما يذكرون يسبق إلى الذهن أن المقصود بهم: عُباد الكواكب لكنهم - في الحقيقة - كل قوم وقعوا في الشرك بعد أن كانوا من أهل التوحيد فالصابئة كانوا موحدين, ثم عرض لهم الشرك وعبادة الكواكب, فالذين ذُكروا في هذه الآية هم المؤمنون منهم الموحدون, فهؤلاء قبل مجيء دعوة الإسلام هم كاليهود والنصارى, وهم ذُكروا أيضاً في نفس السياق الذي ذُكر فيه الصابئة فهؤلاء مَنْ كان منهم متمسكاً بدينه في زمانه, فهو من المؤمنين (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
ولكن بعد أن بعث الله عز وجل محمداً عليه الصلاة والسلام بدين الإسلام, وبلغت دعوة هذا الإسلام أولئك الناس من يهود ونصارى وصابئة, فلا يقبل منه إلا الإسلام.
إذاً قوله تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا) أي: بعد مجيء الإسلام على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام, وبلوغ دعوة الإسلام إليه, فلا يُقبل منه إلا الإسلام.
وأما الذين كانوا قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام بالإسلام, أو الذين قد يوجدون اليوم على وجه الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام أو بَلَغَتْهُمْ دعوةُ الإسلام ولكنْ بلغتهم محرفةً عن أساسها وحقيقتها, كما ذكرتُ في بعض المناسبات عن القاديانيين – مثلاً - الذين انتشروا في أوربا وأمريكا يدعون إلى الإسلام لكن هذا الإسلام الذين يدعون إليه ليس من الإسلام في شيء, لأنهم يقولون بمجيء أنبياء بعد خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام, فهؤلاء الأقوام - من الأوربيين والأمريكيين الذين دعوا إلى الإسلام القادياني, ولم تبلغهم دعوة الإسلام الحق - على قسمين:
* قسم منهم على دين سابق وهم متمسكون به, فعلى ذلك تحمل آية (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
* وقسم انحرف عن هذا الدين - كما هو شأن كثير من المسلمين اليوم - فالحجة قائمة عليهم.
أما من لم تبلغهم دعوة الإسلام مطلقاً - سواء بعد الإسلام أو قبله - فهؤلاء لهم معاملة خاصة في الآخرة, وهي أن الله عز وجل يبعث إليهم رسولاً يمتحنهم - كما امتحن الناس في الحياة الدنيا - فمن استجاب لذلك الرسول في عرصات يوم القيامة وأطاعه دخل الجنة, ومن عصاه دخل النار(14).


سؤال 7: قال تعالى (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) [الأنعام – 25], يَشُم البعض من هذه الآية رائحة الجبر, فما رأيكم في ذلك؟

الجواب: هذا الجعل هو جعلٌ كوني, ولفهم هذا لابد من شرح معنى الإرادة الإلهية, فالإرادة الإلهية تنقسم إلى قسمين: (إرادة شرعية, وإرادة كونية).
والإرادة الشرعية: هي كل ما شرعه الله عز وجل لعباده, وحضهم على القيام به من طاعات وعبادات على اختلاف أحكامها, من فرائض إلى مندوبات, فهذه الطاعات والعبادات يريدها تبارك وتعالى ويُحبها.
وأما الإرادة الكونية: فهي قد تكون تارة مما لم يشرعها الله, ولكنه قدرها وهذه الإمارة إنما سُميت بالإرادة الكونية اشتقاقاً من قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس – 82], فـ (شَيْئًا) اسم نكرة يشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو معصية, وإنما يكون ذلك بقوله تعالى (كُنْ), أي بمشيئته وقضائه وقدره, فإذا عرفنا هذه الإرادة الكونية - وهي أنها تشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو كان معصية - فلا بد من الرجوع بنا إلى موضوع القضاء والقدر, لأن قوله تعالى (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا), معناه أن هذا الذي قال له (كُنْ) جعله أمراً مُقدراً كائناً لابد منه, فكل شيء عند الله عز وجل بقدر, وهذا أيضاً يشمل الخير والشر, ولكن ما يتعلق منه بنا نحن الثقلين - الإنس والجن المكلفين المأمورين من الله عز وجل - أن ننظر فيما نقوم نحن به, إما أن يكون بمحض إرادتنا واختيارنا, وإما أن يكون رغماً عنا, وهذا القسم الثاني لا يتعلق به طاعة ولا معصية, ولا يكون عاقبة ذلك جنة ولا ناراً, وإنما القسم الأول هو الذي عليه تدور الأحكام الشرعية, وعلى ذلك يكون جزاء الإنسان الجنة أو النار, أي: ما يفعله الإنسان بإرادته, ويسعى إليه بكسبه واختياره هو الذي يحاسب عليه, إنْ كان خيراً فخير, وإن كان شراً فشر.
وكون الإنسان مختاراً في قسم كبير من أعماله, فهذه حقيقة لا يمكن المجادلة فيها شرعاً ولا عقلاً.
أما شرعاً: فنصوص الكتاب والسنة متواترة في أمر الإنسان بأن يفعل ما أمر به, وفي أن يترك ما نُهي عنه, وهذه النصوص أكثر من أن تذكر.
أما عقلاً: فواضح لكل إنسان متجرد عن الهوى والغرض بأنه حينما يتكلم, حينما يمشي, حينما يأكل, حينما يشرب, حينما يفعل أي شيء, مما يدخل في اختياره, فهو مختار في ذلك غير مضطر إطلاقاً, وأنا شئتُ أنْ أتكلم الآن, فليس هناك أحد يجبرني على ذلك بطبيعة الحال, ولكنه مقدر, ومعنى كلامي هذا مع كونه مقدراً, أي أنه مقدر مع اختياري لهذا الذي أقوله وأتكلم به, ولكن باستطاعتي أن أصمت لأبين لمن كان في شك مما أقول أني مختار في هذا الكلام.
إذاُ, فاختيار الإنسان - من حيث الواقع - أمر لا يقبل المناقشة والمجادلة, وإلا فالذي يجادل في مثل هذا إنما هو يسفسط ويشكك في البديهيات, وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة انقطع معه الكلام.
إذاً فأعمال الإنسان قسمان: اختيارية , واضطرارية.
والاضطرارية: ليس فيها كلام, لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الواقعية, والشرع يتعلق بالأمور الاختيارية, فهذه هي الحقيقة, وإذا ركزناها في أذهاننا, استطعنا أن نفهم الآية السابقة (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) وهذا الجعل كوني, ويجب أن نتذكر الآية السابقة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أن الإرادة ههنا إرادة كونية, ولكن ليس رغماُ عن هذا الذي جعل الله على قلبه أكنه.
مثال من الناحية المادية: أن الإنسان حينما يُخلق إنما يُخلق ولحمه غض طري, ثم إذا كبر وكبر يقسو لحمه ويشتد عظمه ولكن الناس ليسوا كلهم سواءً, فهذا مثلاً إنسان منكب على نوع من الدراسة والعلم, فهذا ماذا يقوى فيه؟ يقوى عقله؟ ويقوى دماغه من الناحية التي هو ينشغل بها, ويَنصب بكل جهده عليها, ولكن من الناحية البدنية جسده لا يقوى, وعضلاته لا تنمو.
والعكس بالعكس تماماً: فهذا شخص منصب على الناحية المادية, فهو في كل يوم يتعاطى تمارين رياضية - كما يقولون اليوم - فهذا تشتد عضلاته, ويقوى جسده, ويصبح له صورة كما نرى ذلك أحياناً في الواقع, وأحياناً في الصور, فهؤلاء الأبطال مثلاُ تصبح أجسادهم كلها عضلات, فهل هو خُلق هكذا, أم هو اكتسب هذه البنية القوية ذات العضلات الكثيرة؟ هذا شيء وصل إليه هو بكسبه واختياره.
ذلك هو مثل الإنسان الذي يضل في ضلاله وفي عناده, وفي كفره وجحوده, فيصل الران, إلى هذه الأكنة التي يجعلها الله عز وجل على قلوبهم؟ لا بفرض من الله واضطرار من الله لهم, وإنما بسبب كسبهم واختيارهم, فهذا هو الجعل الكوني الذي يكسبه هؤلاء الكفار, فيصلون إلى هذه النقطة التي يتوهم الجُهال أنها فُرضت عليهم, والحقيقة أن ذلك لم يُفرض عليهم وإنما ذلك بما كسبت أيديهم, وأن الله ليس بظلامٍ للعبيد.


سؤال 8: ما حكم تقبيل المصحف؟

الجواب: هذا مما يدخل - في اعتقادنا - في عموم الأحاديث التي منها (إياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة)(15), وفي حديث آخر (كل ضلالة في النار)(16), فكثير من الناس لهم موقف خاص من مثل هذه الجزئية, يقولون: وماذا في ذلك؟! ما هو إلا إظهار تبجيل وتعظيم القران, ونحن نقول صدقتم ليس فيه إلا تبجيل وتعظيم القران الكريم! ولكن تُرى هل هذا التبجيل والتعظيم كان خافياً على الجيل الأول - وهم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم - وكذلك أتباعهم وكذلك أتباع التابعين من بعدهم؟ لا شك أن الجواب سيكون كمال قال علماء السلف: لو كان خيراُ لسبقونا إليه.
هذا شيء, والشيء الآخر: هل الأصل في تقبيل شيء ما الجواز أم الأصل المنع؟
هنا لا بد من إيراد الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحهما ليتذكر من شاء أن يتذكر, ويعرف بُعد المسلمين اليوم عن سلفهم الصالح, وعن فقههم, وعن معالجتهم للأمور التي قد تحدث لهم.
ذاك الحديث هو: عن عباس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُقبل الحجر (يعني: الأسود) ويقول (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع, فلولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبلك ما قبلتُك)(17), وما معنى هذا الكلام من هذا الفاروق: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبلك ما قبلتك؟!.
إذاً, لماذا قبل عمرُ الحجر الأسود, وهو كما جاء في الحديث الصحيح (الحجر الأسود من الجنة)(18)؟! فهل قبله بفلسفة صادرة منه, ليقول كما قال القائل بالنسبة لمسألة السائل: إن هذا كلام الله ونحن نقبله؟! هل يقول عمر: هذا حجر أثر من آثار الجنة التي وُعد المتقون فأنا أُقبله, ولست بحاجة إلى نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لي مشروعية تقبيله؟! أم يعاملُ هذه المسألة الجزئية كما يريد أن يقول بعض الناس اليوم بالمنطق الذي نحن ندعو إليه, ونسميه بالمنطق السلفي, وهو الإخلاص في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام, ومن استن بسنته إلى يوم القيامة؟ هكذا كان موقف عمر, فيقول: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبلك لما قبلتك.
إذاُ الأصل في هذا التقبيل أن نجري فيه على سنة ماضية, لا أن نحكم على الأمور - كما أشرنا آنفا - فنقول: هذا حسن, وماذا في ذلك؟!
اذكروا معي موقف زيد بن ثابت كيف تجاه عرض أبي بكر وعمر عليه في جمع القران لحفظ القران من الضياع(19), لقد قال: كيف تفعلون شيئاً ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فليس عند المسلمين اليوم هذا الفقه في الدين إطلاقاً.
إذا قيل للمقبل للمصحف: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! واجهك بأجوبة غريبة عجيبة جداً, منها: يا أخي! وماذا في ذلك؟! هذا فيه تعظيم للقران! فقل له: يا أخي! هذا الكلامُ يعاد عليك: وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يُعظم القران؟ لا شك أنه كان يعظم القران, ومع ذلك لم يُقبله. أو يقولون: أنت تنكر علينا تقبيل المصحف! وها أنت تركب السيارة, وتسافر بالطيارة وهذه أشياء من البدعة؟! يأتي الرد على ما سمعتم أن البدعة التي هي ضلالة, إنما ما كان منها في الدين. أما في الدنيا, فكما ألمحنا آنفا أنه قد تكون جائزة, وقد تكون محرمة إلى آخره, وهذا الشيء معروف, ولا يحتاج إلى مثال.
فالرجل يركب الطيارة ليسافر إلى بيت الله الحرام للحج, لا شك أنه جائز, والرجل الذي يركب الطيارة ليسافر إلى بلاد الغرب ويحُج إليها, لا شك أن هذه معصية, وهكذا.
أما الأمور التعبدية التي سئُل عنها السائل : لماذا تفعل هذا(20)؟ قال التقرب إلى الله! فأقول: لا سبيل إلى التقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بما شرع الله, ولكني أريد أن أُذكر بشيء وهو - في اعتقادي - مهم جدا لتأسيس ودعم هذه القاعدة (كل بدعة ضلالة), لا مجال لاستحسان عقلي بتاتاً.
يقول بعض السلف: ما أُحدثت بدعة إلا وأُميتت سنةٌ. وأنا ألمس هذه الحقيقة لمس اليد بسبب تتبعي للمحدثات من الأمور, وكيف أنها تخالف ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام في كثير من الأحيان.
وأهل العلم والفضل حقاً إذا أخذ أحدهم المصحف ليقرأ فيه, لا تراهم يُقبلونه, وإنما يعملون بما فيه, وأما الناس - الذين ليس لعواطفهم ضوابط - فيقولون: وماذا في ذلك؟! ولا يعلمون بما فيه! فنقول: ما أحدثت بدعة إلا وأميتت سنة.
ومثل هذه البدعة بدعة أخرى: نرى الناس - حتى الفُساق منهم الذين لا زال في قلوبهم بقية إيمان - إذا سمعوا المؤذن قاموا قياماً! وإذا سألتهم: ما هذا القيام؟! يقولون: تعظيما لله عز وجل! ولا يذهبون إلى المسجد, يظلون يلعبون بالنرد والشطرنج ونحو ذلك, ولكنهم يعتقدون أنهم يعظمون ربنا بهذا القيام! من أين جاء هذا القيام؟! جاء طبعاً من حديث موضوع لا أصل له وهو (إذا سمعتم الأذان فقوموا)(21).
هذا الحديث له أصل, لكنه حُرف من بعض الضعفاء أو الكذابين, فقال (قوموا) بدل (قولوا) واختصر الحديث الصحيح (إذا سمعتم الأذان, فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا علي ...)(22) الخ الحديث, فانظروا كيف أن الشيطان يُزين للإنسان بدعته(23), ويقنعه في نفسه بأنه مؤمن يُعظم شعائر الله, والدليل أنه إذا أخذ المصحف يُقبله, وإذا سمع الأذان يقوم له؟!
لكن هل هو يعمل بالقران؟ لا يعمل بالقران! مثلاً قد يُصلي, لكن هل لا يأكل الحرام؟ هل لا يأكل الربا؟ هل لا يُطعم الربا؟ هل لا يُشيع بين الناس الوسائل التي يزدادون بها معصية لله؟ هل؟ هل؟ أسئلة لا نهاية لها, لذلك نحن نقف فيما شرع الله لنا من طاعات وعبادات, ولا نزيد عليها حرفاً واحداً, لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام (ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به)(24), وهذا الشيء الذي أنت تعمله, هل تتقرب به إلى الله؟ وإذا كان الجواب: نعم. فهات النص عن الرسول عليه الصلاة والسلام. الجواب: ليس هناك نص. إذا هذه بدعة, ولكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ولا يُشْكلن على أحد فيقول: إن هذه المسألة بهذه الدرجة من البساطة, مع ذلك فهي ضلالة وصاحبها في النار؟!
أجاب عن هذه القضية الإمام الشاطبي بقوله (كل بدعة مهما كانت صغيرة فهي ضلالة).
ولا يُنظر في هذا الحكم - على أنها ضلالة - إلى ذات البدعة, وإنما يُنظر في هذا الحكم إلى المكان الذي وضعت فيه هذه البدعة, ما هو هذا المكان؟ إن هذا المكان هو شريعةُ الإسلام التي تمتْ وكملتْ, فلا مجال لأحد للاستدراك ببدعة صغيرة أو كبيرة, من هنا تأتي ضلالةُ البدعة, لا لمجرد إحداثه إياها, وإنما لأنه يعطي معنى للاستدراك على ربنا تبارك وتعالى وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم.


سؤال 9: كيف يجب علينا أن نفسر القران الكريم؟

الجواب: أنزل الله تبارك وتعالى القران الكريم على قلب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم , ليخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإسلام , قال تعالى (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)
[ابراهيم – 1], وجعل رسوله صلى الله عليه وسلم مُبيناً لما في القران, ومُفسراً ومُوضحاً له, قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل – 44], فجاءتِ السنةُ مفسرةً ومبينةً لما في القران الكريم, وهي وحيٌ من عند الله, قال تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم - 3و4], وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إلا إني أُوتيت القران ومِثلهُ معه, ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أَريكته يقول: عليكم بهذا القران, فما وجدتم فيه من حلال فأَحلوه, وما وجدتم فيه من حرام فحرموهُ. وإن ما حرمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرمَ اللهُ)(25).
فأولُ ما يُفسرُ به القران الكريمُ(26) هو القران مع السنة - وهي أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم بعد ذلك بتفسير أهل العلم, وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي مقدمتهم: عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه, وذلك لقد صُحبته للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة, ولعنايته بسؤاله عن القران وفهمه وتفسيره من جهة أخرى, ثم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فقد قال ابن مسعود فيه (إنه تُرجمان القران), ثم أي صحابي من بعدهم ثبت عنه تفسير آية - ولم يكن هناك خلاف بين الصحابة - نتلقى حين ذلك التفسير بالرضا والتسليم والقبول, وإن لم يوجد وجب علينا أن نأخذ من التابعين الذين عُنوا بتلقي التفسير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كسعيد بن جبير, وطاووس ونحوهم ممن اشتهروا بتلقي تفسير القران عن بعض أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام, وبخاصة ابن عباس كما ذكرنا.
وهناك – للأسف - بعض الآيات تُفسر بالرأي والمذهب, ولم يأت في ذلك بيان عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة, فيستقل بعض المتأخرين في تفسيرها تطبيقاُ للآية على المذهب, وهذه مسألة خطيرة جداُ, حيث تُسفر الآيات تأييداُ للمذهب , وعلماء التفسير فسروها على غير ما فسرها أهل ذلك المذهب.
ويمكن أن نذكر مثالُ لذلك: قوله تبارك وتعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل – 20], فسرته بعض المذاهب بالتلاوة نفسها, أي: الواجب من القران في الصلوات إنما هو آية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة! قالوا هذا مع ورود الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)(27), وفي الحديث الاخر (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب, فهي خِداج, هي خِداج, هي خِداج غيرُ تَمام)(28).
فقد رُدت دلالة هذين الحديثين - بالتفسير المذكور للآية السابقة - بدعوى أنها أطلقت القراءة, ولا يجوز عندهم تفسير القران إلا بالسنة المتواترة, أي لا يجوز تفسير المتواتر إلا بالمتواتر, فردوا الحديثين السابقين اعتماداً منهم على تفسيرهم للآية بالرأي أو المذهب.
أما أن العلماء - كل علماء التفسير, لا فرق بين من تقدم منهم أو تأخر - بينوا أن المقصود بالآية الكريمة (فَاقْرَءُوا), أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل, لأن الله عز وجل ذكر هذه الآية بمناسبة قوله تبارك وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) إلى أن قال (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل – 20], أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل بخاصة, وإنما يسر الله عز وجل للمسلمين أن يصلوا ما تيسر لهم من صلاة الليل, فلا يجب عليهم أن يُصلوا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي - كما تعلمون - إحدى عشرة ركعة.
هذا هو معنى الآية, وهذا في الأسلوب العربي من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل , فقوله (فَاقْرَءُوا), أي فصلوا, فالصلاة هي الكل, والقراءة هي الجزء, وذلك لبيان أهمية هذا الجزء في ذلك الكل, وذلك لقوله تبارك وتعالى في الآية الأخرى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ) [الإسراء – 78] ومعنى (قُرْآنَ الْفَجْرِ), أي: صلاة الفجر, فأطلق أيضاً هنا الجزء وأراد الكل, هذا أسلوب في اللغة العربية معروف.
ولذلك, فهذه الآية بعد أن ظهر تفسيرها من علماء التفسير دون خلاف بين سلفهم وخلفهم, لم يجُزْ رد الحديث الأول والثاني بدعوى أنه حديث آحاد, ولا يجوز تفسير القران بحديث الآحاد! لأن الآية المذكورة فسرت بأقوال العلماء العارفين بلغة القران, هذا أولاً, ولأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف القران, بل يفسره ويوضحه, كما ذكرنا في مطلع هذه الكلمة, وهذا ثانياً, فكيف و الآية ليس لها علاقة بموضوع ما يجب أن يقرأه المسلم في الصلاة, سواءً كانت فريضة أو نافلة؟!
أما الحديثان المذكوران آنفا, فموضوعهما صريح بأن صلاة المصلي لا تصحُ إلا بقراءة الفاتحة قال (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)(29), وفي الحديث الاخر (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب, فهي خِداج, هي خِداج, هي خِداج غيرُ تَمام)(30), أي: هي ناقصة, ومن انصرف من صلاته وهي ناقصة فما صلى, وتكون صلاته حينئذٍ باطلة, كما هو ظاهر الحديث الأول.
إذا تبينت لنا هذه الحقيقة, فحينئذُ نطمئن إلى الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم مروية في كتب السنة أولاُ, ثم بالأسانيد الصحيحة ثانياً، ولا نشك ولا نرتاب فيها بفلسفة الأحاديث التي نسمعها في هذا العصر الحاضر, وهي التي تقول: لا نعبأ بأحاديث الآحاد مادامت لم ترِدْ في الأحكام, وإنما هي في العقائد, والعقائد لا تقوم على أحاديث الآحاد. هكذا زعموا! وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً يدعو أهل الكتاب إلى عقيدة التوحيد(31), وهو شخص واحد.
وفي هذا القدر كفاية بهذه الكلمة التي أردتُ بيانها, وهي تتعلق بـ: كيف يجب علينا أن نفسر القران الكريم؟
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد واله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, والحمد لله رب العالمين.



الهوامش:
(1)  الضعيفة 557 - وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاوى نور على الدرب لا أعرف هذا الحديث، ولا أعتقد أنه صحيح.
(2)  البخاري - 1429 واللفظ له. ومسلم – 1033
(3)  صحيح الترغيب والترهيب 1/93/35
(4)  الصحيحة – 1803
(5)  صحيح الجامع -  7517
(6)  إرواء الغليل - 8/40/2373
(7)  صحيح الترغيب والترهيب - 1/92/34 - وصلاة التراويح – ص 75
(8)  مشكاة المصابيح - 1/66/186
(9)  صحيح الجامع - 1970
(10)   صحيح الجامع - 1675
(11)   صحيح الجامع - 2174
(*) وللفائدة أكثر حول تفسير هذه الآية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) يرجى النظر في تفسير القرطبي ففيه كلام طيب، وتفسير السعدي رحمهما الله.
(12)   الصحيحة – 979
(13)   البخاري - 3030 – ومسلم - 1740
(14)   الصحيحة – 2468
(15)   صحيح الترغيب والترهيب - 1/92/34
(16)   صلاة التراويح – ص 75
(17)   صحيح الترغيب والترهيب - 1/94/41
(18)   صحيح الجامع - 3174
(19)   في هي إضافة من عندي
(20)   نفس الشيء أضفت هذا
(21)   الضعيفة – 711
(22)   مسلم – 384
(23)   وقد تكون الكلمة الصحيحة بدعته لكي تطابق الجملة
(24)   الصحيحة - 1803
(25)   تخريج المشكاة - رقم163
(26)   والشيخ الألباني يرى بخلاف من يقول بأنه يجب تفسير القرآن بالقرآن أولاً، ثم بالسنة، ومن بعدها بقول الصحابي، وبعدها للتابعي، ويقول يجب تفسير القران بالقرآن والسنة (معاً), وتجد في كتب علوم القران مثل كتاب مباحث في علوم القران ودراسات في علوم القران بخلاف هذا, وتجدهم يقولون بأنه يجب تفسير القرآن بالقرآن ومن بعده بالسنة وهو مذهب ابن جرير وابن كثير وغيرهم من علماء التفسير بالمأثور رحمهم الله جميعا.
(27)   صحيح الجامع - 7389
(28)   صفة الصلاة - 97
(29)   سبق تخريجه
(30)   سبق تخريجه
(31)   البخاري - 1458 - ومسلم – 19 .