الجمعة، سبتمبر 22، 2017

كتاب بَريقُ الجُمان بشرح أركان الإيمان – تأليف الدكتور/ محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني الباب الخامس - في الإيمان باليوم الآخر - الفصل الأول - الإيمان باليوم الآخر - تنوع أدلةُ البعث في القرآن الكريم - الفصل الثاني - الإيمان بأشراط الساعة - أشراط صغرى - أشراط كبرى - ظهور المهدي - خروج الدجال - نزولُ عيسى بن مريم  وخروج يأجوج ومأجوج - خروج الدابة - الخسوفات الثلاثة - طلوع الشمس من مغربها - النار التي تحشر الناس - المبحث الأول - القيامة الصغرى - التوفي بالنوم والتوفي بالموت - الروح والنفس - حقيقة الروح - كيفية قبض روح المتوفى ومآلُها بعد وفاته - هل الروحُ والنفسُ شيءٌ واحدٌ أو شيئان متغايران؟ - فتنة القبر وعذابه ونعيمه - سؤال الملَكين - صفة سؤال الملَكين - عذاب القبر ونعيمُه - أدلة عذاب القبر ونعيمِه من القرآن الكريم والسنة النبوية - المنكرون لعذاب القبر ونعيمِه، وشبهتُهم والرد عليهم - المبحث الثاني - القيامة الكبرى - البعث والنشور - أدلة البعث والنشور - الحساب - إعطاء الصحائف - وزن الأعمال - الحوض - الصراط والمرور عليه - الشفاعة - الجنة والنار




كتاب بَريقُ الجُمان بشرح أركان الإيمان – تأليف الدكتور/ محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني
الباب الخامس - في الإيمان باليوم الآخر
الفصل الأول - الإيمان باليوم الآخر - تنوع أدلةُ البعث في القرآن الكريم
الفصل الثاني - الإيمان بأشراط الساعة - أشراط صغرى - أشراط كبرى  
ظهور المهدي - خروج الدجال - نزولُ عيسى بن مريم u وخروج يأجوج ومأجوج - خروج الدابة - الخسوفات الثلاثة - طلوع الشمس من مغربها - النار التي تحشر الناس
المبحث الأول - القيامة الصغرى - التوفي بالنوم والتوفي بالموت - الروح والنفس - حقيقة الروح - كيفية قبض روح المتوفى ومآلُها بعد وفاته - هل الروحُ والنفسُ شيءٌ واحدٌ أو شيئان متغايران؟ - فتنة القبر وعذابه ونعيمه - سؤال الملَكين - صفة سؤال الملَكين - عذاب القبر ونعيمُه - أدلة عذاب القبر ونعيمِه من القرآن الكريم والسنة النبوية - المنكرون لعذاب القبر ونعيمِه، وشبهتُهم والرد عليهم
المبحث الثاني - القيامة الكبرى - البعث والنشور - أدلة البعث والنشور - الحساب - إعطاء الصحائف - وزن الأعمال - الحوض - الصراط والمرور عليه - الشفاعة - الجنة والنار .














بَريقُ الجُمان
بشرح أركان الإيمان








تأليف
الدكتور/ محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني







المقدمة
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70 ، 71].
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد e وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
فإن العقيدة الصحيحةَ هي أصلُ دين الإسلام، وأساسُ الملة، ومعلومٌ بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنةِ أن الأعمالَ والأقوالَ إنما تصح وتُقبَل إذا صدرت عن عقيدةٍ صحيحة، فإذا كانت العقيدةُ غيرَ صحيحة: بطل ما يتفرعُ عنها من أعمال وأقوال.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[المائدة: 5]؛
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]؛
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [سورة النساء: 124]، فقيَّد ذلك بقوله: "وَهُوَ مُؤْمِنٌ".
وقال تعالى في غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]؛
وقال تعالى: ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 16]. إلى غيرها من الآيات الكريمة.
وقد دلَّ كتابُ الله تعالى وسنةُ رسوله الأمين e على أن العقيدةَ الصحيحةَ تتلخص في : الإيمان بالله تعالى، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، واليوم الآخر، وبالقدَر خيرِه وشرِّه، فهذه الأمورُ الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتابُ الله العزيز، وبعثَ الله تعالى بها رسولَه محمداً (عليه الصلاة والسلام).
ويتفرّعُ عن هذه الأصول كلُّ ما يجب الإيمانُ به من أمور الغيبِ وجميعُ ما أخبرَ الله تعالى به ورسولُه e مما يجب اعتقادُه في حق الله سبحانه وتعالى وفي أمر المعاد وغير ذلك من المغيَّبات، كالتصديق بخبَرِ أصحابِ الكهف، وخروج الدَّجَّال، وخروج يأجوج ومأجوج، ونحو ذلك.
وأدلةُ هذه الأصول الستة في الكتاب والسنةِ كثيرةٌ جداً سيأتي ذكرُ بعضِها في مواضعها، ومن ذلك:
قولُ الله سبحانه: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]؛
وقولُه سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].
وقولُه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
وقولُه سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70].
ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول: الحديث المشهور الذي أخرجه مسلمٌ في أول صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب t أن جبريل u سألَ النبيَّ e عن الإيمان، فقال له: «الإيمان: أن تؤمنَ بالله، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقدَر خيرِه وشرِّه». وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة t([1]).
وسأخصص كلَّ أصل من هذه الأصول الستة ببابٍ مستقل، أبدأ البابَ الأولَ ببيان حقيقة الإيمان؛ ثم أذكر نواقضَ الإيمان في بابٍ سابع، وأختم الرسالةَ بخاتمةٍ فيها بعضُ الأصول التي لم يَرِد ذكرُها أثناء الأبواب الستة، ويسبق كل ذلك تمهيدٌ أوَضِّحُ فيه بعضَ ما يُستحسنُ ذكرُه في بداية الرسالة، وبالله سبحانه وتعالى أستعين، وعليه التُكلان.
الدكتور/ محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني


التمهيد
مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية


الباب الأول
الإيمان بالله تعالى
وفيه فصلان:
الفصل الأول
في بيان معنى الإيمان وما يتعلق به
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
الفصل الثاني
في الإيمان بالله تعالى
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بربوبيّة الله تعالى.
المبحث الثاني: الإيمان بألوهيّةِ الله تعالى، وفيه أربعةُ مطالب:
المطلب الأول: تعريفه ومكانته.
المطلب الثاني: شهادة أن لا إله إلا الله.
المطلب الثالث: العبادة.
المطلب الرابع: أساليب القرآن في الدعوة إلى الإيمان بألوهيّةِ الله تعالى.
المبحث الثالث: الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاتِه، وفيه ثلاثةُ مطالب:
المطلب الأول: طريقةُ أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاتِه.
المطلب الثاني: أقسام الصفات.
المطلب الثالث: قواعد مهمة في توحيد الأسماء والصفات.


















الباب الثاني
الإيمان بالملائكة


























الباب الثالث
الإيمان بالكتب




















الباب الرابع
الإيمان بالرسل (عليهم السلام)
وفيه خمسةُ فصول:
الفصل الأول : معنى الإيمان بالرسل(عليهم السلام).
الفصل الثاني : دلائل النبوة.
وفيه أربعةُ مباحث:
المبحث الأول: أوّل وأعظم دلائل النبوة، وهي المعجزات، مع شيء من التفصيل في معجزة القرآن الكريم.
المبحث الثاني: ذكر بقية دلائل النبوة.
المبحث الثالث: الفرقُ بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان.
المبحث الرابع: الفرق بين كرامات الأولياء وبين خوارق السحرة والمشعوذين.
الفصل الثالث : عصمة الأنبياء.
الفصل الرابع : دين الأنبياء واحد.
الفصل الخامس : خصائص الرسول e .
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ما اختُصَّ به عن غيره من الأنبياء (عليهم السلام)
المبحث الثاني: الخصائص التي اختص بها دون أمته.



الباب الخامس
في الإيمان باليوم الآخر

وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول : الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الثاني : الإيمان بأشراط الساعة.
الفصل الثالث : القيامة الكبرى والقيامة الصغرى.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول : القيامة الصغرى.
المطلب الثاني : القيامة الكبرى.



الفصل الأول
الإيمان باليوم الآخر

المراد باليوم الآخر هنا هو يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه، كالحياة البرزخية، وأشراط الساعة.
فمبتدأُه من الموت، ومنتهاه إلى آخر ما يقع يوم القيامة، أي: إلى ما لا نهاية له، وعليه فمدة البرزخ من يوم القيامة، وهذا هو المشهور عند العلماء.
والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، والذي لا يصح إيمانُ العبد إلا به، كما في حديث جبريل u، وقد تقدمت الإشارة إليه. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ[التوبة: 29]؛ والآيات في ذلك كثيرة جداً.
ويكون الإيمانُ باليوم الآخر: بالإيمان بأنه كائن لا محالة، والتصديق بكل ما بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه، وبالبعث بعد ذلك، والحساب، والميزان، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وبكل ما وصف الله تعالى به يوم القيامة.
واليوم الآخر قد أخبر الله تعالى عنه في كتابه العزيز، وأقام عليه أدلةً كثيرة، وردَّ على المنكرين له في غالب سور القرآن الكريم.

وقد تنوعت أدلةُ البعث في القرآن الكريم:
i فتارةً يُخبر عمن أماتهم ثم أحياهم في الدنيا، كما أخبر عن قوم موسى الذين قالوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55]؛ قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 55، 56].
وأخبر عن ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ [البقرة: 243]؛ وعن إبراهيم u إذ قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى [البقرة: 260] "القصة"؛ وكما أخبر عن المسيح u أنه كان يحيي الموتى بإذن الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي [المائدة: 110]؛ وعن أصحاب الكهف أنهم بُعثوا بعد ثلاث مئة سنةٍ وتسعِ سنين، ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: 11، 12].
i وتارةً يستدل على ذلك بالنشأة الأولى؛ فإن الإعادةَ أهونُ من الابتداء، كما في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ "الآية" [الحج: 5]؛ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: 79]؛ وقولِه تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: 51]؛ وقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: 27].
i وتارةً يستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض؛ فإن خلقَهما أعظمُ من إعادة الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: 33].
i وتارةً يستدل سبحانه وتعالى على البعث بتنزيه نفسه المقدسة عن العبث، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115]؛ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: 36، 40].
فالناسُ في هذه الدنيا منهم المحسن، ومنهم المسيء، وقد يموتون ولا ينال أحدُهم جزاءَ عمله؛ فلا بد من دار أخرى يُقام فيها العدلُ بين الناس، وينالُ كلٌّ منهم جزاءَ عمله.


الفصل الثاني
الإيمان بأشراط الساعة

أشراط الساعة هي علاماتُها التي تدل على اقترابها ومجيئها. وهي تنقسم إلى قسمين:
1- أشراط صغرى:
وهي التي تتقدّم الساعةَ بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، ونحوها، وقد يظهر بعضُها مصاحباً للأشراط الكبرى، أو بعدها.
2- أشراط كبرى:
وهي الأمورُ العظام التي تظهرُ قربَ قيام الساعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجال، ونزول عيسى u، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.
وقسّم بعضُ العلماء أشراطَ الساعة من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ ظهرَ وانقضى.
وقسمٌ ظهرَ ولا يزال يتتابعُ ويكثر.
وقسم لم يظهر حتى الآن.
فأما القسمان الأولان: فهما من أشراط الساعة الصغرى، وأما القسمُ الثالث: فيشتركُ فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.
أما القسم الأول (وهو الذي ظهر وانقضى)، فمن هذه الأمارات:
-        بعثة النبي e، وموتُه e،
-        وفتحُ بيت المقدس.
-        ومنها: قتلُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان t،
-        ومنها: ذكر الحروب التي وقعت بين المسلمين بعد قتل عثمان t.
وأما القسم الثاني (وهو الأمارات المتوسطة) وهي التي ظهرت ولم تنقض، بل تتزايد وتكثر، فهي كثيرةٌ جداً، منها:
قولُه e: «لا تقوم الساعةُ حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكَع ابن لكع»([2])، واللكع: العبدُ والأحمق واللئيم.
ومنها، قولُه e: «يأتي على الناس زمانٌ الصابرُ فيهم على دينه كالقابضِ على الجمر»([3]).
ومنها قولُه e: «إن من أشراط الساعة أن يُرفعَ العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شربُ الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساءُ حتى يكون لخمسين امرأةً القيِّمُ الواحد»([4]).
ومنها، قولُه e للسائلِ عن الساعة: «إذا ضُيِّعَت الأمانةُ فانتظر الساعة»، قال - أي: السائل: كيف إضاعتُها؟ قال e: «إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله: فانتظر الساعة»([5]).
أما القسم الثالث من أمارات الساعة: فهي العلامات العظام والأشراط الجسام التي تعقبها الساعة، وأولُها: ظهورُ المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول المسيح u، ثم تتتابع.
وهذه العلامات جاء ذكرُها في النصوص، ومنها: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري t قال: اطلع النبيُّ e علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟»، قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلَها عشرَ آيات»، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوعَ الشمسِ من مغربها، ونزولَ عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطردُ الناسَ إلى محشرهم»([6]).
وسأذكر هنا بعضَ هذه العلامات الواردة في هذا الحديث، وفي أحاديث أخرى بإيجاز:
1- ظهور المهدي([7]):
عن عبد الله بن مسعود t قال: قال رسولُ الله e: «لا تنقضي الأيام ولا يذهبُ الدهرُ حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي، يواطئ اسمُه اسمي»([8]).
وقد تواترت الأحاديثُ واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى e بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته e، وأنه يملك سبعَ سنين، وأنه يملأ الأرضَ عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويكون ظهورُه من بلاد المشرق، ويُبايَع له عند الكعبة، وينزلُ عيسى ابنُ مريم وأميرُ المسلمين هو المهدي، فيقول لعيسى u: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا؛ إن بعضَهم أميرُ بعض.
وقد انقسم الناسُ في أمر المهدي إلى طرفين ووسط:
فالطرف الأول: مَن ينكر خروجَ المهدي، مثل بعض الكتّاب المعاصرين الذين ليس لهم خبرة بالنصوص وأقوال أهل العلم، وأحاديثه قد بلغت حدَّ التواتر المعنوي بشهادة كثيرة من أهل العلم([9]).
والطرف الثاني: مَن يُغالي في أمر المهدي من الطوائف الضالة، حتى ادعَت كلُّ طائفةٍ لزعيمهم أنه المهدي المنتظر.
وأما الوسط: فهم أهل السنة والجماعة، الذين يُثبتون خروجَ المهدي على ما وردت به النصوصُ الصحيحةُ في اسمه، واسم أبيه، وصفاتِه، ووقتِ خروجه.

2- خروج الدجال :
تواترت الأحاديثُ من وجوه متعددة في إثبات خروج الدجالِ وبيانِ فتنتِه والإستعاذة منه، وأجمع أهلُ السنة على خروجه في آخر الزمان، وفتنةُ الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدمَ u إلى قيام الساعة، وذلك بسبب ما يخلق الله تعالى معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، وتُحيِّر الألباب.
ولذلك فإن المسيحَ الدجال قد أنذرت به الأنبياءُ (عليهم السلام) أقوامَها، وحذّر منه نبيُّنا e أكثر، وبين أوصافَه لأمته، وخلاصةُ ما وردت فيه من الأحاديث: أنه يؤذنُ له في الخروج في آخر الزمان، فيخرج من جهة المشرقِ من خراسان، من يهودية أصبهان، يظهر أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدّعي الربوبية، فيتبعُه على ذلك الجهلةُ من بني آدم، ويُخالفُه ويرد عليه مَن هداه الله تعالى من الصالحين، ويتدنى فيأخذ البلادَ بلداً بلداً، ولا يبقى من البلدان إلا وطئه بخيله ورجله غير مكة والمدينة.
وقد خلقَ الله تعالى على يديه خوارقَ كثيرةً يضل بها مَن يشاءُ من خلقه، ويَثبتُ معها المؤمنون فيزدادون إيماناً مع إيمانهم، وهدى إلى هداهم.
ويكون نزولُ عيسى بن مريم u مسيحِ الهدى في أيام مسيح الضلالة، فيجتمعُ عليه المؤمنون، فيسير بهم المسيحُ عيسى بنُ مريم u قاصداً نحو الدجالِ وقد توجّه نحو بيت المقدس، فينهزمُ منه الدجال، فيلحقه عند باب مدينة (لدّ)، فيقتله بحربتِه وهو داخلٌ إليها، ويقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال: فإنه يذوبُ كما ينحلُّ الملحُ في الماء، ويكون وفاتُه هناك لعنه الله تعالى.
ومن فتنته أيضاً: "أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمَّك؛ أتشهد أني ربُّك؟ فيقول: نعم، فيتمثَّلُ له شيطانان في صورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بني، اتْبَعْه؛ فإنه ربُّك»([10]).
وسيكون أكثرُ أتباعه الأعراب لغلبة الجهل عليهم، وأما النساء: فحالُهن أشد من الأعراب؛ لسرعة تأثرهن وغلبة الجهل عليهن، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ e: «ينزل الدجالُ في هذه السبخةِ بمرقناة، فيكون أكثرُ مَن يخرج إليه النساء، حتى إن الرجلَ يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنتِه وأختِه وعمَّتِه فيوثقُها رباطاً؛ مخافةَ أن تخرج إليه»([11]).
ومن الأحاديث الواردةِ فيه: حديث أنس بن مالك t عن النبي e: عن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلم: قال: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إلا أَنْذَرَ قَوْمَه الْأَعْوَرَ الْكَذَّاب، إِنَّهُ أَعْوَر - وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَر - مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِر»([12]).
زاد في رواية حذيفة t: «مكتوبٌ بين عينيه (كافر)، يقرؤه كلُّ مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب»([13]).
وكذلك حديثُ النوّاس بن سمعان t قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ([14]) حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْل، فَقَالَ e: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِه، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِم، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ([15]) كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْف".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْض؟ قَالَ e: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ e: «لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَه».
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْض؟ قَالَ e: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَه؛ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِت، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا([16])، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَه، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ([17]) لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِم، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا : أَخْرِجِي كُنُوزَك، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْل، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ([18])، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَك.
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ... فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ([19]) فَيَقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللهُ مِنْه، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّة"([20]).
وقد أمرَ النبيُّ e أمتَه بالإستعاذةِ من فتنته في آخر كل صلاة، فعن أبي هريرة t قال: قال رسولُ الله e: "إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر: فليتعوّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ المسيح الدجال"([21]).

3، 4 - نزولُ عيسى بن مريم u وخروج يأجوج ومأجوج:
أكتفي في خبر نزول عيسى u وفي خبر يأجوج ومأجوج بما ورد في حديث النوّاس السابق، وفيه - بعد الحديث عن الدجال -:
"فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْن([22])، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَات، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَه بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُه ...
فبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّور([23])، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّة([24])، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ([25]) فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى([26]) كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَة، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ([27]) وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الله، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ([28]) فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ الله، ثُمَّ يُرْسِلُ الله مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ([29]) بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَر، فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَة([30])، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَك، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا([31])، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ([32]) مِنْ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِن النَّاس، وَاللِّقْحَةَ مِن الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِن النَّاس، وَاللِّقْحَةَ مِن الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِن النَّاس.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إذْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِم، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ([33]) فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ"([34]).
وقد أنكرَ بعضُ الكُتّاب العصريين وجودَ يأجوج ومأجوج ووجودَ السدّ، وبعضُهم يؤول النصوص بما لا تحتملُه، وليس لهم شبهة يستندون إليها إلا قولهم: (إن الأرضَ قد اكتُشِفَت كلها، فلم يوجد ليأجوج ومأجوج ولا للسدِّ مكان فيها)!!
والجواب عن ذلك: أن كونَ المكتشفين لم يعثروا على يأجوج ومأجوج وسدِّهم لا يدل ذلك على عدم وجودهم، بل يدل على عَجز البشر عن الإحاطةِ بملكوت الله U، وقد يكون الله U صَرَفَ أبصارَهم عن رؤيتهم، أو جَعلَ أشياءَ تمنعُ من الوصولِ إليهم، والله تعالى قادرٌ على كل شيء، وكلُّ شيءٍ له أجل، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ * لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ[الأنعام: 66، 67].
وما الذي أعمى أبصارَ الأوائل وأعجزَ قدراتِهم عن كنوز الأرض التي اكتشفَها المعاصرون، كالنّفطِ وغيره، إلا أن الله U جعلَ لذلك أجلاً ووقتاً؟! فيجب الإيمانُ بكل ما وردَ في الكتاب والسنة من ذكر يأجوج ومأجوج وغير ذلك من الغيبيات.

5- خروج الدابة:
هذه الدابةُ آيةٌ من آيات الله تخرج في آخر الزمان، عندما يكثر الشر، ويعم الفساد، وقد وردَ ذكرُها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ [النمل: 82].
ولم يأتِ في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة ذكرُ كيفية هذه الدابة، وإنما أثرها المقصود منها، وأنها من آيات الله تعالى، ولا شك أنها مخالفة لمعهود البشر من الدواب، ومن ذلك أنها تكلم الناسَ وتخاطبُهم.

6، 7، 8 - الخسوفات الثلاثة:
سبق في حديث حذيفة بن أسيد t أن رسولَ الله e قال: «إن الساعةَ لن تقومُ حتى تروا عشرَ آياتٍ ... (فذكر منها) وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب»([35]).
والصحيح أن هذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعدُ كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيءٌ منها.

9- طلوع الشمس من مغربها:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158].
وقد دلت  الأحاديث الصحيحة أن المرادَ ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوعُ الشمس من مغربها، وهو قولُ أكثر المفسرين، ومما وردَ فيه من الأحاديث: ما رواه أبو هريرة t أن رسولَ الله e قال: «لا تقوم الساعةُ حتى تطلع الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس: آمنوا أجمعون، فذاك حين ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158]»([36]).

10- النار التي تحشر الناس:
وآخر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة: نارٌ تخرج من قعر عدن، تحشر الناسَ إلى محشرهم، ومن الأحاديث الواردة في ذلك: حديث حذيفة t في ذكر أشراط الساعة الكبرى - الذي سبق ذكرُه - وفيه: «وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناسَ إلى محشرهم»([37]).
والأرض التي تحشر النارُ الناسَ إليها: هي بلادُ الشام، وقد ذهبَ بعضُ أهل العلم إلى أن هذا الحشرَ يكون في الآخرة، ولكن الجمهورَ من أهل العلم على أن هذا الحشرَ يكون في آخر عمر الدنيا، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث.
وقد وردَ في الحديث بيانُ كيفية حشر النار للناس، فعن أبي هريرة t عن النبي e قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِين، وَاثْنَانِ عَلى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلى بَعِير، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا»([38]).

الفصل الثالث
القيامة الصغرى والقيامة الكبرى

المبحث الأول
القيامة الصغرى

وسأتحدث فيه عن الموت، والروح، وفتنة القبرِ وعذابِه ونعيمِه.
أولاً- الموت:
من مقدمات اليوم الآخر: الموت، وهو القيامة الصغرى، وهي وفاة كل شخصٍ عند انتهاء أجله، وبها ينتقل من الدنيا إلى الآخرة.
وقد ذكّر الله تعالى العبادَ بالموت؛ ليستعدوا له بالأعمال الصالحةِ والتوبةِ من الأعمال السيئة؛ لأنه إذا جاء: خَتَمَ عملَ الإنسان، وهو لا يقبل التأخير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 9 - 11]؛ وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185].
والموتُ هو القيامةُ الصغرى، وقيامُ الساعة هو القيامة الكبرى.
واللهُ سبحانه وتعالى في السورة الواحدة يذكر القيامةَ الكبرى والصغرى؛ كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أولها القيامةَ الكبرى، وأن الناسَ يكونون أزواجاً ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [الواقعة: 1 - 7].
ثم إنه في آخرها ذكر القيامةَ الصغرى بالموت، وأنهم يكونون ثلاثة أصناف بعد الموت، فقال: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة: 83 - 94].
وعند الموت تُقبضُ روحُ الإنسان من جسده بأمر الله تعالى.
وقد أسندَ الله تعالى قبضَ الأنفسِ إليه سبحانه في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: 42]؛
وأسنده إلى ملَكِ الموتِ u في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11]؛
وأسندَه إلى الملائكةِ في قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: 61]؛ وفي قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ [الأنفال: 50]؛
ولا تعارضَ بين الآيات، والإضافةُ في هذه الآيات إلى كلٍّ بحسبه:
فالله تعالى هو الذي قضى بالموتِ وقدَّره؛ فهو بقضائه وقدَره وأمره، فأضيف إليه التوفي لأجل ذلك.
وملَكُ الموت يتولى قبضَها واستخراجَها من البدن.
ثم تأخذُها منه ملائكةُ الرحمة أو ملائكةُ العذاب، ويتولونها بعده.
فصحّت إضافةُ التوفي إلى كلٍّ بحسبه.

التوفي بالنوم والتوفي بالموت:
الروحُ المدبِّرةُ للبدن التي تفارقُه بالموت: هي الروحُ المنفوخةُ فيه، وهي النفسُ التي تفارقُه بالنوم، قال النبيُّ e لَـمّا نام عن الصلاة: «إن الله قبضَ أرواحَكم حين شاء، وردَّها عليكم حين شاء»([39]).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42].
قال ابنُ عباس (رضي الله عنهما) وأكثرُ المفسرين: يقبضُها قبضتَين: قبض الموت، وقبض النوم، ثم في النوم يقبض التي تموتُ ويرسلُ الأخرى إلى أجلٍ مسمى حتى يأتي أجلُها وقت الموت.
وقد ثبتَ في الصحيحين عن النبي e: أنه كان يقول إذا نام: «باسمكَ ربِّي وضعتُ جنبي، وبك أرفعُه، إن أمسكتَ نفسي؛ فاغفر لها، وإن أرسلتَها؛ فاحفظها بما تحفظ به عبادكَ الصالحين»([40]).
وهذا أحدُ القولين في الآية، وهو أن الـمُمْسَكة والمرسَلة كلاهما متوفى وفاة النوم؛ فمَن استكمَلت أجلَها: أمسكَها عنده فلا يردُّها إلى جسدها، ومَن لم تستكمل أجلَها: ردَّها إلى جسدها لتستكملَه.
والقول الثاني: أن الـمُمسَكَة: مَن توفيت وفاةَ الموت أولاً، والـمُرسَلَة: مَن توفيت وفاةَ النوم، والمعنى على هذا: أن الله تعالى يتوفى نفسَ الميت فيمسكُها ولا يُرسلُها قبل يوم القيامة، ويتوفّٰى سبحانه نفسَ النائم ثم يرسلُها إلى جسده إلى بقية أجلِها، فيتوفاها الوفاة الأخرى؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ [الأنعام: 60].
ثانياً- الروح والنفس:
أ‌)     حقيقة الروح:
مذهبُ أهل السنة أن الروح عينٌ قائمةٌ بنفسها، تفارقُ البدن، وتنعم، وتعذب، ليست هي البدن، ولا جزء من أجزائه، وليست من جنس الأجسام المتميزات المشهودة المعهودة، وأما الإشارة إليها: فإنه يُشار إليها، وتصعد، وتنزل، وتخرج من البدن، وتسيل منه، كما جاءت بذلك النصوص.
ولا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي ساريةٌ في الجسد كما تسري الحياةُ التي هي عَرَضٌ في جميع الجسد؛ فإن الحياة مشروطةٌ بالروح، فإذا كانت الروحُ في الجسد: كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح: فارقته الحياة.
وروح الآدمي مخلوقةٌ مُبدَعةٌ باتفاق سلف الأمة وأئمتِها وسائرِ أهل السنة، ولم يُخالف في ذلك إلا الفلاسفة ومَن تبعهم ممن لا خبرة له بالنصوص الشرعية.

ب) كيفية قبض روح المتوفى ومآلُها بعد وفاته:
قد جاءَ بيانُ كيفية التوفي ومآل الروح بعده في حديث البراء بن عازب الطويل – رضي الله عنهما – حيث يقول:
كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد، فأتانا النبيُّ e فقعدَ وقعدنا حوله كأنّ على رؤوسنا الطير وهو يُلحَدُ له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» ثلاث مرات.
ثم قال: «إن العبدَ المؤمنَ إذا كان في إقبالٍ من الآخرةِ وانقطاعٍ من الدنيا: نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحَنوطٌ من حنوط الجنة، فجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيءُ ملَكُ الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفسُ الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان».
قال: «فتخرج تسيلُ كما تسيلُ القطرةُ مِن في السقاء، فيأخذُها، فإذا أخذها: لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في الكفنِ وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجِدَت على وجه الأرض».
قال: «فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذه الروحُ الطيبة ؟ فيقولون: فلانُ ابنُ فلان؛ بأطيبِ أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيُفتَح له، فيُشَيِّعُه من كل سماءٍ مُقَرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله([41])، فيقول الله U: اكتبوا كتابَ عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أخرجتُهم تارةً أخرى».
قال: «فتُعاد روحُه في جسده، فيأتيه ملَكان، فيُجلِسانه فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسولُ الله. فيقولان له: ما عِلمُك؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله فآمنتُ به وصدقت. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة».
قال: «فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مَدَّ بصره».
قال: «ويأتيه رجلٌ حَسَنُ الوجه، حسَنُ الثياب، طيبُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرّك، هذا يومك الذي كنتَ توعَد. فيقول له: مَن أنت؟ فوجهُك الذي يجيء بالخير. فيقول: أنا عملُك الصالح. فيقول: يا رب! أقم الساعةَ حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي».
قال: «وإن العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة: نزل إليه من السماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوه، معهم المسوح([42])، فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثم يجيءُ ملَكُ الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفسُ الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب».
قال: «فتفرَّقَ روحُه في جسده، فينتزعُها كما ينتزعُ السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها: لم يدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثةٍ وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلانُ ابنُ فلان؛ بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيُستَفتَحُ له، فلا يُفتَح له».
«ثم قرأ رسولُ الله e: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ[الأعراف: 40]، فيقول الله U: اكتبوا كتابَه في سجينٍ في الأرض السفلى، فتُطرح روحُه طرحاً».
«ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ[الحج: 31]، فتُعاد روحُه في جسده، ويأتيه ملَكان، فيُجلِسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعُه».
«ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، منتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءُك، هذا يومك الذي كنتَ توعَد. فيقول : مَن أنت؟ فوجهُك الوجهُ الذي يجيء بالشر! فيقول: أنا عملُك الخبيث. فيقول: ربِّ لا تُقِمِ الساعة»([43]).
«وذهبَ إلى موجب هذا الحديث جميعُ أهل السنة والحديث، وله شواهدُ في الصحيح»([44]).

ج) هل الروحُ والنفسُ شيءٌ واحدٌ أو شيئان متغايران؟
اختلف الناسُ في ذلك: فمن قائل: إنهما شيءٌ واحد، وهم الجمهور، ومن قائل: إنهما متغايران.
والتحقيق: أن لفظ الروح والنفس يُعبَّر بهما عن عدة معان، فيتحد مدلولُهما تارة، ويختلف تارة؛ فالنفسُ تطلق على أمور:
منها: الروح، يقال: خرجت نفسُه، أي: روحُه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: 93].
ومنها: الذات، يُقال: رأيت زيداً نفسَه وعينَه، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور: 61].
ومنها: الدم، يُقال: سالت نفسُه، ومنه قولُ الفقهاء: ما له نفسٌ سائلة، وما ليس له نفس سائلة، ومنه يُقال: نفَسَت المرأة: إذا حاضت، ونفست: إذا نفسها ولدُها، ومنه النفساء.
والروحُ أيضاً تطلق على معان:
منها: القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسله (عليهم السلام)؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: 52].
ومنها: جبريل u، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: 193].
ومنها: الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسُلِه (عليهم السلام)، قال تعالى : ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [غافر: 15]، سمي روحاً لما يحصل به من الحياة النافعة؛ فإن الحياةَ بدونه لا تنفع صاحبَها البتة، وسميت الروحُ روحاً لأن بها حياة البدن.
وتُطلق الروح أيضاً على الهواء الخارج من البدن والهواءِ الداخلِ فيه.
وتُطلق أيضاً على ما سبق بيانُه، وهو ما يحصل بفراقه الموت.
وهي بهذا الاعتبار الأخير ترادفُ النفسَ ويتحد مدلولُهما، ويفترقان في أن النفسَ تُطلق على البدن وعل الدم، والروحُ لا تُطلق عليهما. والله تعالى أعلم.

ثالثاً- فتنة القبر وعذابه ونعيمه:
سبق أن الإيمانَ باليوم الآخر يعني الإيمان بكل ما أخبرَ به النبيُّ e مما يكون بعد الموت، ومن ذلك الإيمانُ بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمِه.
وذلك أن بين الموت الذي تنتهي به الحياة الأولى وبين البعث الذي تبتدئ به الحياة الثانية – وبعبارة أخرى: بين القيامة الصغرى والقيامة الكبرى – فترة جاءت تسميتُها في القرآن الكريم بالبرزخ، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 99، 100].
والبرزخ لغةً: الحاجز بين الشيئين، وفي هذا البرزخ نموذجٌ من العذاب أو النعيم الأخروي؛ فهو أول منزلٍ من منازل الآخرة، ففيه سؤال الملَكين ثم العذاب أو النعيم.

أولاً- سؤال الملَكين:
 ويسمى بفتنة القبر، وهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملَكان.
وقد تواترت الأحاديثُ عن النبي e في هذه الفتنةِ من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم y.
وهي عامةٌ للمكلفين إلا النبيين، فقد اختُلِف فيهم، وكذلك اختُلف في غير المكلفين كالصبيان والمجانين، فقيل: لا يُفتنون، وقيل: يُفتنون، ولعل الراجح هو أنهم لا يُفتنون؛ لأن المحنةَ إنما تكون للمكلفين.
واختلفوا: هل السؤالُ في القبر عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق؟
فقيل: يختص ذلك بالمسلم والمنافقِ دون الكافر الجاحد المعطل.
وقيل: السؤال في القبرِ عام للكافر والمسلم. وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة، واستثناءُ الكافرِ من هذا لا وجهَ له.

صفة سؤال الملَكين:
سبق في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قولُه e: «فتُعاد روحُه (يعني: الميت) في جسده، ويأتيه ملَكان ...».
وفي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس t أن النبيَّ e قال: «إن الميت إذا وُضع في قبره، وتولى عنه أصحابُه؛ إنه ليَسمعُ خفقَ نِعالِهم: أتاه ملَكان، فيُقعِدانه، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل محمد؟
فأما المؤمنُ فيقول: أشهدُ أنه عبدُ الله ورسولُه. قال: فيقول: انظر إلى مقعدك من النار؛ قد أبدلكَ الله به مقعداً من الجنة. قال رسولُ الله e: «فيراهما جميعاً».
قال: فأما الكافرُ والمنافق: فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنتُ أقول ما يقول الناس. فيقولان له: لا دريت ولا تليت. ثم يُضرب بمطارق من حديدٍ بين أذنيه، فيصيح صيحةً، فيسمعُها مَن عليها غير الثقلين»([45]).
وفي حديث آخر: «أتاه ملَكان أسودان أزرقان، يُقال لأحدهما: المنكر، والآخرُ: النكير»([46]).
فهذه الأحاديث وما جاء بمعناها تدل على مسائل منها:
أن السؤال يحصل حين يوضعُ الميتُ في قبره، وفيه ردٌّ على مَن زعم من أهل البدع من المعتزلة أن السؤال يقع بين النفختَين.
تسميةُ الملَكين منكر ونكير، وفيه ردٌّ على مَن زعم من المعتزلة أنه لا يجوز تسميتُهما بذلك.
أن روحَ الميت تُرَدُّ إليه في قبره حين السؤال، وأنه يُجلس، ويُستنطَق، وفيه ردٌّ على مَن نفى ذلك إلا إن كان يريد نفيَ الحياة المعهودة في الدنيا؛ فهذا صحيح؛ فإن عَود الروح إلى بدن الميت ليس مثل عَودها إليه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه، كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة، وإن كانت أكمل منها، بل كلُّ موطن في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكمٌ يخصه، ولهذا أخبرَ النبيُّ e أن الميتَ يُوسَّعُ له في قبره ويُسأل، ونحو ذلك، وإن كان الترابُ قد لا يتغير؛ فالأرواحُ تُعاد إلى بدن الميتِ وتفارقُه.
وللروح بالبدن خمسةُ أنواع من التعلق متغايرة الأحكام إليك بيانَها:
أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.
الثالث: تعلقها به حالَ النوم؛ فلها به تعلقٌ من وجه، ومفارقة من وجه.
الرابع: تعلقها به في البرزخ؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه: فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى إليه التفاتٌ البتة؛ فقد دلَّت الأحاديثُ على ردِّها إليه عند سؤال الملَكَين وعند سلامِ المسلِّم، وهذا الردُّ إعادةٌ خاصة لا توجِبُ حياةَ البدن قبل يوم القيامة.
الخامس: تعلُّقُها به يوم يُبعث الأجساد، وهو أكملُ تعلقاتها بالبدن، ولا نسبةَ لما قبله من أنواع التعلقِ إليه؛ إذ هو تعلقٌ لا يَقبلُ البدنُ معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً.

ثانياً- عذاب القبر ونعيمُه:
مذهبُ أهل السنة والجماعة أن الميتَ إذا ماتَ يكون في نعيمٍ أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروحَ تبقى بعد مفارقة البدن مُنَعـَّمةً أو معَذَّبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، ويحصل له معها النعيمُ أو العذاب.
فأهلُ السنة والجماعة يتفقون على أن النفسَ تنعم وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلةً بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيمُ والعذابُ عليهما في هذه الحال مجتمعَين؛ كما يكون ذلك على الروح منفردةً عن البدن.

أدلة عذاب القبر ونعيمِه من القرآن الكريم والسنة النبوية:
أولاً- من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: 93]، وهذا خطابٌ لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة – وهم الصادقون – أنهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا: لَـما صَحَّ أن يُقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ، فدلَّ على أن المرادَ به عذاب القبر.
وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الطور: 45 - 47]؛ وهذا يحتمل عذابَهم بالقتل وغيرِه في الدنيا، وأن يُراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيراً منهم مات ولم يُعذَّب في الدنيا.
وقد يُقال - وهو أظهر - : إن مَن مات منهم: عُذِّب في البرزخ، ومَن بقي منهم: عُذب في الدنيا بالقتل وغيرِه؛ فهو وعيدٌ بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.
وقال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 45، 46]؛ فذكَرَ عذابَ الدارين ذكراً صريحاً لا يَحتملُ غيرَه، فدل على ثبوت عذاب القبر.
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الواقعة: 83 - 94]، فذكرَ هنا أحكامَ الأرواح عند الموت، وذكرَ في أول السورة أحكامَها يوم المعاد الأكبر، وقدَّمَ ذلك على هذا تقديمَ الغاية؛ للعناية بأحكامها؛ إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلَهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلَهم في الآخرة ثلاثة أقسام.
ومن الإشارات القرآنية الواضحة، الدالة على فتنة القبرِ وعذابِه: قولُه تبارك وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء [إبراهيم: 27]؛ ففي الحديث الذي يرويه البراء بن عازب - رضي الله عنهما - عن النبيِّ e قال: «إذا أُقعِدَ المؤمنُ في قبره: أُتِيَ ثم شَهِد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسولُ الله: فذلك قولُه: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ»، وفي رواية أخرى: وزاد: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ نزلت في عذاب القبر»([47]).

ثانياً- أدلة عذاب القبر ونعيمِه من السنة النبوية:
إذا تأملت أحاديثَ عذاب القبر ونعيمه : وجدتَها تفصيلاً وتفسيراً لما دلَّ عليه القرآن الكريم.
وأحاديث عذاب القبر كثيرةٌ متواترةٌ عن النبي e ومنها:
ما في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبيَّ e مَرَّ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يُعذبان في كبير: أما أحدُهما: فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة، فشقَّها نصفين، فقال: «لعله يُخفف عنهما ما لم ييبسا»([48]).
عن زيد بن ثابت t قال: بينما رسولُ الله e في حائطٍ لبني النجار على بغلةٍ له، ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، فإذا أقبُرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعة، فقال: «مَن يعرف أصحابَ هذه القبور؟»، فقال رجل: أنا. قال: «متى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك. فقال: «إن هذه الأمةَ تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تَدَافَنُوا: لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر الذي أسمعُ منه ...»([49]) "الحديث".
وعن أبي هريرة t أن النبيَّ e قال: «إذا فرغ أحدُكم من التشهد الأخير: فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال»([50]).
وعن أبي أيوب t قال: خرج النبيُّ e وقد وجبت الشمس، فسمع صوتاً فقال: «يهود تُعذَّبُ في قبورها»([51]).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخلت عليَّ عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهلَ القبور يُعذبون في قبورهم، فكذّبتُهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخلَ عليَّ النبيُّ e فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين – وذكرتُ له – فقال: «صدقتَا؛ إنهم يُعذبون عذاباً تسمعُه البهائمُ كلُّها»، فما رأيتُه بعدُ في صلاةٍ إلا يتعوذ من عذاب القبر([52]).
ولعظم هذا الأمر وخطورتِه: كان الرسولُ e يعلمُه لأصحابه، بل وخطبَ فيهم مرةً به، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: «قام رسولُ الله e خطيباً فذكر فتنةَ القبر التي يفتَتِنُ فيها المرء، فلما ذكرَ ذلك: ضجّ المسلمون ضجة»([53]).
وزاد النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري: «حالت بيني وبين أن أفهم كلامَ رسول الله e، فلما سكنت ضجتُهم قلتُ لرجلٍ قريبٍ مني: أي باركَ الله لك، ماذا قال رسولُ الله e في آخر كلامه؟ قال: قال: «قد أوحي إليّ أنكم تُفتنون في القبور قريباً من فتنة المسيح الدجال»([54]).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي متواترة كما أسلفت.
تنبيه:
عذابُ القبر أو نعيمُه وسؤال الملكَين ينالان كلَّ مَن مات ولو لم يُدفن؛ فهو اسمٌ لعذاب البرزخ ونعيمِه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: 100]؛ وسمي عذاب القبر باعتبار الغالب؛ فالمصلوب والمحرق والمغرق وأكيل السباع والطيور: له من عذاب القبر ونعيمِه قسطُه الذي تقتضيه أعمالُه، وإن تنوعت أسبابُ النعيم والعذاب وكيفياتُهما.
وقد ظن بعضُ الأوائل أنه إذا حرق جسدَه بالنار، وصار رماداً، وذرى بعضَه في البحر، وبعضَه في البر في يومٍ شديدِ الريح: أنه ينجو من ذلك، فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمرَ الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمرَ البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله، فسأله: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتُك يا رب! وأنتَ أعلم، فغفرَ الله له([55]). فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال.
حتى لو عُلِّقَ الميتُ على رؤوس الأشجار في مهابِّ الريح: لأصاب جسدَه من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبُه، ولو دُفن الرجلُ الصالحُ في أتونٍ من النار: لأصابَ جسدَه من نعيم البرزخ ورَوْحِه نصيبُه وحظُّه، فيجعلُ الله تعالى النارَ على هذا برداً وسلاماً، والهواءَ على ذلك ناراً أو سموماً.
فعناصرُ العالَـم وموادُّه منقادةٌ لربها وفاطرها وخالقِها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي منها شيء أراده، بل هي طوع أمرِه ومشيئتِه، منقادة لقدرته، فغيرُ ممتنع أن تُرد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها؛ لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود؛ فهذا المغمى عليه والمسكور والمبهوت أحياءُ وأرواحُهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومَن تفرقت أجزاؤه لا يمتنعُ على مَن هو على كل شيءٍ قدير أن يجعل للروح اتصالاً بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعورٌ بنوعٍ من الألم واللذة.
وإذا كان الله تعالى قد جعلَ في الجمادات شعوراً وإدراكاً تسبِّحُ ربَّها به، وتسقط الحجارةُ من خشيتِه، وتسجد له الجبالُ والشجر، وتسبحه الحصى والمياه والنبات، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: 44]؛ فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساسُ والشعورُ : فالأجسامُ التي كانت فيها الأرواح والحياة أولى بذلك.
وقد أشهد الله سبحانه عبادَه في هذه الدار إعادةَ حياة كاملةٍ إلى بدنٍ قد فارقته الروحُ، فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ [البقرة: 243].
وقال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259].
وكقبيل بني إسرائيل الذين قالوا لموسى: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: 55]، فأماتهم الله تعالى ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف، وكقصة إبراهيم u في الطيور الأربعة.
فإذا أعادَ الحياةَ التامةَ إلى هذه الأجساد بعدما بردت بالموت: فكيف يمتنع على قدرته الباهرة أن يُعيد إليها بعد موتها حياةً ما غيرَ مستقرة، يقضي بها أمرَه فيها، ويستنطقُها بها، ويعذبها أو ينعمها بأعمالها؟! أليس إنكارُ ذلك مجرد تكذيبٍ وعناد وجحود؟!

المنكرون لعذاب القبر ونعيمِه، وشبهتُهم والرد عليهم:
أنكرت الملاحدةُ والزنادقةُ عذابَ القبر ونعيمَه، وقالوا: إنا نكشف القبرَ فلا نجد فيه ملائكةً يضربون الموتى، ولا حيّات، ولا ثعابين، ولا نيران تأجج! وكيف يُفسَح له مَدَّ بصره أو يضيق عليه ونحن نجده بحاله، ونجد مساحتَه على حد ما حفرناه له، ولم يزد ولم ينقص؟ وكيف يصير القبرُ روضةً من رياض الجنة أو حفرةً من حفر النار؟
والجواب على ذلك من وجوه:
أولاً: أن حال البرزخ من الغيوب التي أخبرت بها الأنبياء (عليهم السلام)، ولا يكون خبرُهم محالاً في العقول أصلاً، فلا بد من تصديق خبرهم.
ثانياً: أن النارَ والخضرةَ في القبر ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا، فيُشاهِدَ ذلك مَن شاهَدَ نارَ الدنيا وخضرَها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحسُّ بها أهلُ الدنيا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يُحمي عليه ذلك التراب والحجارةَ التي عليه وتحته، حتى تكون أعظم حرّاً من جمر الدنيا، ولو مسَّها أهلُ الدنيا: لم يحسّوا بذلك، وقدرةُ الرب أوسع من ذلك وأعجب.
وإذا شاء الله تعالى أن يُطلِعَ بعضَ العباد على عذاب القبر: أطلَعَه، وغَـيَّـبَه عن غيره؛ إذ لو اطلع العبادُ كلهم: لزالت حكمةُ التكليف والإيمان بالغيب، ولَـمَا تدافنَ الناس، كما في الصحيحين في الحديث الذي مَرَّ من قوله e: "لولا أن لا تدافَنوا: لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر ما أسمع"، ولَـمّا كانت هذه الحكمةُ منتفيةً في حق البهائم: سمعت ذلك وأدركته، كما حادت برسول الله e بغلتُه وكادت تلقيه لَـمّا مرَّ بمن يُعذّب في قبره.
فرؤيةُ هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن؛ تقع أحياناً لمن شاء الله تعالى أن يُريه ذلك.
وكيف يستنكرُ مَن يَعرف الله سبحانه ويُقِرُّ بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصارَ بعض خلقه؛ حكمةً منه ورحمةً بهم؛ لأنهم لا يطيقون رؤيتَها وسماعَها، والعبدُ أضعفُ بصراً وسمعاً من أن يَثبُتَ لمشاهدة عذاب القبر.
وسِرُّ المسألة: أن هذه السعةَ والضيقَ والإضاءةَ والخضرةَ والنارَ ليس من جنس المعهود في هذا العالَم، والله سبحانه إنما أشهَدَ بني آدمَ في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة: فقد أسبلَ عليه الغطاء؛ ليكون الإقرارُ به والإيمانُ به سبباً لسعادتهم، فإذا كشف عنهم الغطاء: صار عياناً مشاهَداً، فلو كان الميتُ بين الناس موضوعاً: لم يمتنع أن يأتيه الملَكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبَهما من غير أن يسمعوا كلامَه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربَه.
وهذا الواحدُ منا ينامُ إلى جنب صاحبه المستيقظ، فيُعذَّبُ في النوم، ويُضرب ويتألم، وليس عند المستيقظِ خبرٌ من ذلك البتة.

المبحث الثاني
القيامة الكبرى

وسأتحدث فيه عن: البعث والنشور، وما سيكون في الموقف من: الحساب، وإعطاء الصحائف، ووزن الأعمال، والصراط والمرور عليه، والحوض، والشفاعة، ثم الجنة والنار.

أولاً- البعث والنشور:
المراد بالبعث: المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد، والنشور: مرادفٌ للبعث في المعنى، يُقال: نشر الميت نشوراً: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله تعالى: أحياه.
فإذا شاء الحقُّ تبارك وتعالى إعادةَ العباد وإحياءَهم: أمرَ إسرافيلَ فنفخ في الصور، فتعود الأرواحُ إلى الأجساد، ويقومُ الناسُ لرب العالَمين، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: 68]، وحدثنا الحقُّ تبارك وتعالى عن مشهد البعث العجيب فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: 51 - 53].
وقد جاء في الأحاديث أنه يسبق النفخةَ الثانيةَ في الصورِ نزولُ ماءٍ من السماء، فتنبت منه أجسادُ العباد، فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله: «ثم يُنفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتاً»([56]).
«قال: وأول مَن يسمعه رجلٌ يلوطُ حوضَ إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله – أو قال: ينزل الله – مطراً كأنه الطَّلُّ أو الظِّلُّ فتنبتُ منه أجسادُ الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون»([57]).
وإنباتُ الأجساد من التراب بعد إنزال الله تعالى ذلك الماء الذي يُنبتُها: يماثلُ إنباتَ النبات من الأرضِ إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا، ولذا فإن الله تعالى قد أكثرَ في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات بعد نزول الغيث، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف: 57]، وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر: 9].
ولاحِظ في كلا الموضعين قولَه: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى و ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ؛ فإنهما يدلان على المماثلة والمشابهةِ بين إعادة الأجسامِ بإنباتِها من الترابِ بعد إنزال الماء قبيل النفخ في الصور، وبين إنبات النبات بعد نزول الماء من السماء.
ومن المعلوم أن النباتَ يتكوّنُ من بذورٍ صغيرةٍ تكون في الأرض ساكنةً هامدة، فإذا نزل عليها الماءُ تحركت الحياةُ فيها، وضربت بجذورها في الأرض، وبسقت بسوقها إلى السماء، فإذا هي نبتةٌ مكتملةٌ خضراء.
والإنسانُ يتكون في اليوم الآخر من عظمٍ صغيرٍ هو عَجَبُ الذَّنَب([58])، عندما يصيبه الماءُ ينمو نموَّ البقل، فعن أبي هريرة t قال: قال رسولُ الله e: «ما بين النفختين أربعون ... ثم يُنزِلُ  الله من السماء ماءً، فيَنْـبُتُون كما ينبُت البقلُ، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يَبلَى، إلا عظماً واحداً وهو عَجْبُ الذنب، ومنه يُركَّبُ الخلقُ يوم القيامة»([59]).

أدلة البعث والنشور:
وقوعُ البعث من القبور قد دلَّ عليه الكتابُ والسنة والعقل والفطرةُ السليمة؛ أخبرَ الله تعالى عنه في كتابه العزيز، وأقام عليه الدليل، وردَّ على منكريه في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن العظيم، وقد أخبرت عنه جميعُ الأنبياء أمَمَها، وطالبت المنكرين بالإيمان به، ولما كان نبيُّنا محمد e خاتَمُ الأنبياء، وكان قُربُ بعثتِه من الساعة كقُرب أُصبُعَي السبّابة والوسطى من بعضِها البعض: بيّن تفاصيل الآخرة تفصيلاً لا يوجد في شيءٍ من كتب الأنبياء (عليهم السلام) قبله.
والقرآن الكريمُ كله من فاتحته إلى خاتمته مملوءٌ بذكر أحوال اليوم الآخر، وتفاصيل ما فيه، وتقرير ذلك بالأخبار الصادقة والأمثال المضروبةِ للاعتبار والإرشاد، وكما ذكر القرآنُ الكريمُ الأدلة عليه: ردَّ على منكريه، وبين كذبَهم وافتراءَهم.
ولما استبعد المشركون إعادةَ الناس في حياةٍ أخرى بعد الموت، فأنكروا البعثَ والنشور: أمر الله تعالى نبيـَّه e أن يُقسم به على وقوعه، وأنه كائن لا محالة، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ [سبأ: 3]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: 53]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: 7].
وأخبر عن اقتراب ذلك فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء: 1].
وذم المكذِّبين بالبعث فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [يونس: 45]، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [الشورى: 18]، ﴿وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا [الإسراء: 97 - 99].
والأدلة على البعث والنشور كثيرةٌ جداً في الكتاب والسنة، وقد سبقت بعضُها في بداية الفصل الأول.
وليوم القيامة أهوالٌ عظيمة وشدائد جسيمة تذيب الأكباد، وتُذهِل المراضع وتشيب الأولاد، وقد وصف سبحانه أهوالَ ذلك اليوم في آياتٍ كثيرة، من ذلك قولُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: 1، 2].
وبعد بعث الخلائق أحياء: يُجمعون في ساحة واحدة تُدعى عرصات القيامة، وذلك لفصل القضاء فيما بينهم.
ويواجه الناسُ في هذا الموقف أموراً عظيمةً يأتي ذكرُ بعضها في الفقرات الآتية.

ثانياً - الحساب:
وهو تعريفُ الله سبحانه الخلائقَ مقاديرَ الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].
ومن الحساب: إجراء القصاص بين العباد، فيُقتصُّ للمظلوم من الظالم، كما في حديث أبي هريرة t: أن رسولَ الله e قال: «لتؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامةِ حتى يُقاد للشاة الجَلحاء([60]) من الشاة القرناء»([61]).
والحساب متفاوت؛ فمنه العسير، ومنه اليسير، ومنه التكريم، ومنه التوبيخ والتبكيت، ومنه الفضل والصفح، ومتولي ذلك أكرم الأكرمين.
فـ«يُحاسِب الله تعالى الخلائق، ويخلُو بعبده المؤمن، فيُقَرِّرُه بذنوبه؛ كما وُصِفَ ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار: فلا يُحاسَبون محاسبةَ مَن توزَنُ حسناتُه وسيئاتُه؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تُعَدُّ أعمالُهم فتُحصى، فيوقَفون عليها ويُقَرَّرون بها، ويُجزَون بها»([62]).
وأول ما يُحاسَب عنه العبدُ صلاتُه، وأول ما يُقضى بين الناس في الدماء، كما صحَّ بذلك الحديث.
ثالثاً- إعطاء الصحائف:
الصحائف: هي الكتب التي كتبتها الملائكة، وأحصوا فيها ما فعلَه كلُّ إنسان في الحياة الدنيا من الأعمال القوليةِ والفعلية.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13، 14]، قال العلماء: طائره: "عمله".
ومنهم مَن يُعطى كتابه بيمينه، ومنهم مَن يُعطى كتابه بشماله، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إلى قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، ثم قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ إلى قوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: 19 - 31].

رابعاً- وزن الأعمال:
مما يكون في هذا اليوم: وزن الأعمال، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ [الأعراف: 8، 9]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47]، فالأعمالُ توزن بميزانٍ حقيقي له لسانٌ وكفتان.

خامساً- الحوض:
وهو مما يُكرم الله تعالى به عبدَه ورسولَه محمداً e في ذلك الموقف العظيم، وقد اختلف أهلُ العلم في موضعه: هل هو قبل الصراط أو بعده؟
والراجحُ أنه يكون قبل المرور على الصراط في عرصات القيامة، ومما يدل على ذلك أن بعضَ وارديه يؤخذ إلى النار، ففي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) قالت: قال النبيُّ e: «إني على الحوضِ حتى أنظرَ مَن يَرِدُ عليَّ منكم، وسيؤخَذُ ناسٌ من دوني فأقول: يا ربِّ، مني ومن أمتي، فيُقال: هل شعرتَ ما عملوا بعدك؟ والله ما بَرِحوا يرجعون على أعقابهم»([63])، فلو كان بعد الصراط لَـما استطاعوا الوصولَ إليه.
والأحاديث الواردة في الحوض متواترة، رواها أكثر من خمسين صحابياً - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم - ومن تلك الأحاديث:
1- ما أخرجه الشيخان وغيرُهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله e: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحُه أطيبُ من المسك، وكِيزانُه كنجوم السماء، مَن شربَ منه لا يظمأ أبداً»([64]).
2- وعن أنس بن مالك t قال: أغفى رسولُ الله e إغفاءةً، ثم رفع رأسَه مبتسماً فقال: «إنه أنزلت عليَّ آنفاً سورة، فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسولُه أعلم. قال: «فإنه نهرٌ وعدَنيه ربي U، عليه خيرٌ كثير، هو حوضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النجوم، فيُختَلَجُ العبدُ منهم فأقول: رب، إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثَت بعدك»([65]).


سادساً- الصراط والمرور عليه:
ومما يكون يوم القيامة: المرور على الصراط، وهو جسرٌ ممدودٌ على متن جهنم، يَرِدُه الأولون والآخرون، يمر الناسُ عليه على قدر أعمالهم، وهو أدق من الشَّعر، وأحَدُّ من السيف، وأشد حرارةً من الجمر، عليه كلاليب تخطف مَن أُمِرَت بخطفه، يمر الناسُ عليه على قدر أعمالهم، فمنهم مَن يمر كالبرق، ومنهم مَن يمر كالريح، ومنهم مَن يمر كالفرس الجواد، ومنهم مَن يمر كهرولة الراجل، ومنهم مَن يمشي مشياً، ومنهم مَن يزحف زحفاً، ومنهم مَن يُخطف فيُلقى في جهنم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
ويكون المرورُ على الصراط بعد مفارقة موقف الحساب ووزنِ الأعمال، وبيانِ السعيد من الشقي في الجملة.

سابعاً- الشفاعة:
الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب، وعرفاً: سؤال الخير للغير، وقيل: هو من الشفع الذي هو ضد الوتر، فكأن الشافعَ ضَمَّ سؤالَه إلى سؤال المشفوع له.
والشفاعة حق إذا تحققت شروطُها، وهي: أن تكون بإذن الله تعالى ورضاه عن المشفوع له، قال تعالى : ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم: 26].
ففي هذه الآية الكريمة: أن الشفاعة لا تنفع إلا بشرطين:
الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع؛ لأن الشفاعةَ ملكه سبحانه؛ ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر: 44].
الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد؛ لأن المشركَ لا تنفعُه الشفاعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48].
وهذا يبين بطلانَ صنيع الذين يطلبون الشفاعةَ من الأموات، ويتقربون إليهم بأنواع القربات، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر: 43، 44].
وقد أُعطي نبيُّنا e الشفاعة، فيشفع لِـمَن أذن الله تعالى له فيه.
وله e أنواعٌ من الشفاعات منها:
شفاعتُه e لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء – آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم – عليهم السلام - الشفاعةَ حتى تنتهي إليه، وهو المقامُ المحمودُ الذي ذكرَه الله تعالى في القرآن.
ومنها: شفاعتُه e لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
وهاتان الشفاعتان خاصتان له e.
ومنها: الشفاعة في تخفيف العذابِ عمَّن يستحقُّه، كشفاعتِه e في عمِّه أبي طالب أن يخفف عنه عذابَه([66]).
ومنها: شفاعتُه e فيمن استحقَّ النار.
وهذه الشفاعةُ له ولسائر النبيين - عليهم السلام - والصديقين وغيرِهم، فيشفع فيمَن استحقَّ النار أن لا يدخلَها، ويشفع فيمَن دخلَها أن يخرج منها.
وشفاعتُه e لأهل الذنوبِ من أمته متفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، وأنكرها كثيرٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلةِ وغيرهم، وقال هؤلاء: مَن يدخل النار لا يخرج منها، لا بشفاعة ولا بغيرها، وعندهم ما ثَمَّ إلا مَن يدخل الجنةَ فلا يدخل النار، ومَن يدخل النارَ فلا يدخل الجنة، ولا يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب.
واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 48]، وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254]، وبقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18]، وبقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48].
وجواب أهل السنة: أن هذا يُراد به شيئان:
أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 42 - 48]، فهؤلاء لا تنفعُهم شفاعةُ الشافعين لأنهم كانوا كفاراً.
والثاني: أنه يُراد بذلك الشفاعة التي يُثبتُها أهلُ الشرك ومَن شابهَهم من أهل الكتاب والمبتدعة، الذين يظنون أن للخلقِ عند الله تعالى من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناسُ في بعضهم عند بعض.

ثامناً- الجنة والنار:
بعد ما ينتهي الحساب في الموقف، ويتقرر مصيرُ كل واحد من الناس : ينتهي أمرُهم إما إلى الجنة إن كان من أهلها، وإما إلى النار إن كان من أهلها – أعاذنا الله منها – فالجنةُ والنار هما الداران العظيمتان اللتان لا تفنيان، فالجنةُ دار المتقين، والنارُ دار الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ 13 وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 13، 14].
وهما مخلوقتان موجودتان الآن، قال تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24]، وغير ذلك من النصوص التي تدل على وجودهما الآن.
وهما باقيتان لا تفنيان، كما هو مذهبُ أهل السنة والجماعة.
*******




الباب السادس
الإيمان بالقضاء والقدَر
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول : تعريف القضاء والقدر.
الفصل الثاني : أركان الإيمان بالقضاء والقدَر.
الفصل الثالث : أفعال العباد.
الفصل الرابع : الاحتجاج بالقضاء والقدَر.
الفصل الخامس : ثمار الإيمان بالقضاء والقدَر.













الباب السابع
في نواقض الإيمان ومُنقِصَاتِه
وفيه تمهيد وأربعة فصول:
التمهيد: في تعريف نواقض الإيمان ومنقصاتِه، وبيان منهج أهل السنة والجماعة في باب نواقض الإيمان.
الفصل الأول : في الشرك
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : في الشرك الأكبر.
المبحث الثاني : وسائل الشرك الأكبر.
المبحث الثالث : في الشرك الأصغر.
الفصل الثاني : الكفر
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : بيان حقيقة الكفر.
المبحث الثاني : أقسام الكفر.
المبحث الثالث : ضوابط تكفير المعين.
الفصل الثالث : النفاق.
الفصل الرابع : البدعة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : تعريف البدعة.
المبحث الثاني : أنواع البدع.
المبحث الثالث : التحذير من البدع.






([1])  صحيح البخاري (ح/50)، وصحيح مسلم (ح/9).
([2])  رواه الإمام أحمد (5/389)، وهو صحيح.
([3])  رواه الترمذي (ح/2186) عن أنس t، وهو صحيح.
([4])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/5231)، ومسلم (ح/2671).
([5])  رواه البخاري (ح/59، 6496) من حديث أبي هريرة t .
([6])  رواه مسلم (ح/2901).
([7])  تحدثت عن المهديِّ قبل العلامات العشر التي وردَ ذكرُها في حديث حذيفة t لأن ظهورَه يكون سابقاً لها، فهو الذي يجتمعُ عليه المؤمنون لقتال الدجال، ثم يَنزِلُ عيسى بنُ مريم – عليه السلام – ويصلي خلفه، كما سيأتي.
([8])  رواه أحمد (5/199ح/3573) – تحقيق الشيخ أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح، ورواه الترمذي (ح/2345) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
([9])  مما أُلِّف في المهدي: رسالة (الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل) للباحث عبد العليم عبد العظيم، وهي رسالة الماجستير، و(عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) للشيخ/ عبد المحسن بن حمد العباد البدر.
([10])  أخرجه ابنُ ماجه (2/1359-1363)، والحديث صحيح.
([11])  رواه أحمد (7/190ح/5353) بتحقيق الشيخ/ أحمد شاكر، وقال: إسنادُه صحيح.
([12])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/7131)، ومسلم (ح/2933).
([13])  رواه مسلم (ح/2934).
([14])  أي: أكثرَ من الكلام فيه، فتارةً يرفع صوتَه ليُسمِعَ مَن بَعُد، وتارةً يخفضُ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالةُ المُكثِرِ من الكلام.
([15])  القطَط: الشديد الجعودة، ومعنى (عينه طافئة): اسم فاعل من طُفِئت النارُ تُطفأ فهي طافئة، أي: ذهبَ نورُها.
([16])  تروح: ترجع آخرَ النهار. والسارحة: الماشيةُ التي تسرح، أي: تذهب أول النهار إلى المرعى. والذرا: الأعالي.
([17])  من المَحْل، وهو القحطُ والجدب. ويعاسيبُ النحل: فحولُها، واحدُها يعسوب.
([18])  الجزلةُ – بفتح الجيم على المشهور، وحكى ابنُ دريد كسرَها - : القطعة، أي: يقطعُه قطعتَين. و رميةَ الغرض: منصوبٌ نصبَ المصدر، أي: كرمية الغرضِ في السرعة والإصابة.
([19])  اللُّدُّ بلدةٌ قرب بيت المقدس في فلسطين.
([20])  رواه مسلم (ح/2937).
([21])  رواه مسلم (ح/588).
([22])  المهرودتان: الثوبان المصبوغان بورس ثم بزعفران.
([23])  أي: ضمَّهم واجعله لهم حرزاً. ومعنى «من كل حدَب ينسلون» : الحدب: النشز، أي: المكان المرتفع، وينسلون: يمشون مسرِعين.
([24])  طبرية: بحيرة ومدينةٌ في شمال فلسطين، غربُها موقع حطين، ويخرج منها نهرُ الأردن ليصبَّ بالبحر الميت.
([25])  النغَفُ: جمعُ نغفة، وهي دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم، وهي وإن كانت محتقَرة: إلا أن إتلافَها شديد.
([26])  أي: هلكى قتلى، من فرسَ الذئبُ الشاة: إذا قتلها، ومنه الفريسة.
([27])  الزّهَمُ: النتنُ والرائحة الكريهة، وأصلُه: ما يعلقُ باليد من ريح اللحم.
([28])  البُخت: إبلٌ غلاظ الأعناق، عظام الأسنان.
([29])  لا يَكنُّ منه: لا يستتر من ذلك المطر لكثرته بيتٌ مبني بالطين، ولا بيتُ شَعر ولا وبر.
([30])  الزلَفة: قيل: المرآة، شبهها بالمرآة في صفائها ونظافتِها، وقيل: كمصانع الماء، أي : أن الماءَ يستنقعُ فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمعُ فيه الماء.
([31])  القِحفُ: أعلى الجمجمة، وهي المحتوية على الدماغ، واستعاره هنا للرّمّانة للشبَه الذي بينهما.
([32])  اللقحة - بكسر اللام وفتحها - وهي القريبةُ العهد بالولادة.
([33])  يتهارَجون فيها تهارج الحمر: أي : يجامعُ الرجلُ النساءَ علانيةً بحضرة الناس، كما يفعل الحَمير، ولا يكترثون لذلك، والهَرْجُ – بإسكان الراء -: الجماع.
([34])  رواه مسلم (ح/2937).
([35])  رواه مسلم (ح/2901).
([36])  رواه البخاري (ح/6506)، ومسلم (ح/157).
([37])  رواه مسلم (ح/2901).
([38])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/6522)، ومسلم (ح/2861).
([39])  أخرجه البخاري (ح/595)، وأخرجه مسلم (ح/681) مطولاً بدون هذه الجملة، كلاهما من حديث أبي قتادة t.
([40])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/6320، 7393)، ومسلم (ح/2714).
([41])  قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «وقولُه: «فيها الله»: بمنزلة قوله تعالى : ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16، 17]».
([42])  المسوح: جمعُ "مِسْح" وهو الكساءُ من الشَّعر.
([43])  أخرجه أحمد (4/287، 295-296)، وأبو داود (ح/4753)، والطيالسي (ح/753)، وهو حديث صحيح.
([44])  قاله ابنُ أبي العز الحنفي في (شرح العقيدة الطحاوية) (2/607).
([45])  أخرجه البخاري (ح/1374)، وأخرجه مسلم (ح/2870) مختصراً.
([46])  أخرجه الترمذي (ح/1083)، وابن حبان في صحيحه (ح/3117)، وهو حديث حسن.
([47])  رواه البخاري (ح/1369).
([48])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/218)، ومسلم (ح/292).
([49])  أخرجه مسلم (ح/2867).
([50])  أخرجه مسلم (ح/588)، وأخرجه البخاريُّ (ح/1377) بنحوه.
([51])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/1375)، ومسلم(ح/2869).
([52])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/6366) ومواضع أخرى، ومسلم (ح/586).
([53])  أخرجه البخاري (ح/1373).
([54])  سنن النسائي (ح/2062)، في كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر.
([55])  أخرجه البخاري (ح/7506)، ومسلم (ح/2756).
([56])  اللِّيت: صفحةُ العنق، وهما لِيْتان، وأصغى: أمالَ.
([57])  أخرجه مسلم (4/2259-ح/2940).
([58])  وهو العظمُ في أسفل الصُّلب عند العَجُز.
([59])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/4935)، ومسلم (ح/2955)، واللفظ للبخاري.
([60])  وهي التي لا قرن لها.
([61])  رواه مسلم (ح/6479).
([62])  قاله شيخ الإسلام في (العقيدة الواسطية) (ص/139، 143).
([63])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/6593)، ومسلم (ح/2293).
([64])  متفق عليه، أخرجه البخاري (ح/6579)، ومسلم (ح/2292).
([65])  رواه مسلم في صحيحه (ح/400)
([66])  كما في حديث البخاري (ح/3883، 6208)، ومسلم (ح/209) عن العباس بن عبد المطلب t .