الأحد، مارس 05، 2017

كتاب - معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة - تأليف الدكتور/ عبد السلام برجس العبد الكريم - الجزء الأول



"معاملة الحكام، في ضوء الكتاب والسنة"
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فبلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً(
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(
أما بعد ...
فهذه رسالة وجيزة مبنية على النصوص الشرعية، ومؤيدة بالآثار السلفية، تشرح شيئاَ مما ينبغي أن يعرفه المسلم عن أحكام معاملة ولاة أمر المسلمين في كل زمان ومكان.
كتبتها براءة للذمة، ونصحاً للأمة، إذ قد رأيت حاجة الناس في هذه الأزمان إلي معرفة تلك الأحكام والاطلاع عليها أما للتذكير بها، أو لتعليمها، فإن نسيانها – أو الجهل بها – من أعظم الأبواب التي تلج الشرور إلي المسلمين منها، يعرف هذا من نظر في التواريخ والسير واعتبر بما جاء فيها من العبر.
اسأل الله – جل وعلا – أن ينتفع بهذه الرسالة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، مقربة إليه من جنات النعيم.
وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتب ذلك
عبد السلام بن برجس العبد الكريم
الرياض 20/7/1415هـ
تمهيد
إن السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين جاروا وظلموا العقيدة السلفية قل أن يخلو كتاب فيها من تقريره وشرحه وبيانه، وما ذاك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، إذ بالسمع والطاعة لهم تنتظم مصالح الدين والدنيا معاً، والافتيات عليهم قولاً أو فعلاً فساد الدين والدنيا.
وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.([1])
يقول الحسن البصري - رحمه الله تعالي – في الأمراء: "هم يلون من أمورنا خمساً: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم – والله – لغبطة، وأن فرقتهم لكفر".([2])
وذُكرَ السلطان عند أبي العالية، فقال: "الله يصلح بهم أكثر مما يفسدون".([3])
لقد كان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – يولون هذا الأمر اهتماما خاصاً، لا سيما عند ظهور بوادر الفتنة، نظراً لما يترتب على الجهل به – أو إغفاله – من الفساد العريض في العباد والبلاد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
واهتمام السلف بهذا الأمر تحمله صور كثيرة نقلت إلينا عنهم أقتصر على صور، منها:
الصورة الأولي- التحذير من الخروج عليه:
مثال ذلك: ما قام به الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة – رحمه الله تعالي، حيث كان مثالاً للسنة في معاملة الولاة.
فلقد تبني الولاة في زمنه أحد المذاهب الفكرية السيئة وحملوا الناس عليه بالقوة والسيف، وأريقت دماء جمع غفير من العلماء بسبب ذلك، وفُرٍضَ القول بخلق القرآن الكريم على الأمة، وقرر ذلك في كتاتيب الصبيان ... إلي غير ذلك من الطامات والعظائم، ومع ذلك كله فالإمام أحمد لا ينزعه هوى، ولا تستجيشه العواطف "العواصف" بل ثبت على السنة، لأنها خير وأهدي فأمر بطاعة ولي الأمر، وجمع العامة عليه ووقف كالجبل الشامخ في وجه من أراد مخالفة المنهج النبوي والسير السلفية، انسياقاً وراء العواطف المجردة عن قيود الكتاب والسنة، أو المذاهب الثورية الفاسدة.
يقول حنبل، رحمه الله تعالي: "أجتمع فقهاء بغداد في ولاية "الواثق"، إلي أبي عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالي – وقالوا له: أن الأمر قد تفاقم وفشا – يعنون: إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك ولا نرضي بإمارته ولا سلطانه.
فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر.
وقال ليس هذا – يعني نزع أيديهم من طاعته – صواباً، هذا خلاف الآثار".([4])
فهذه صورة من أروع الصور التي نقلها الناقلون، تبين مدي اهتمام السلف بهذا الباب، وتشرح – صراحة – التطبيق العلمي لمذاهب أهل السنة والجماعة فيه.
الصورة الثانية- التأكيد على الدعاء له:
مثال ذلك: ما جاء في كتاب "السنة" للإمام الحسن بن على البربهاري – رحمه الله تعالي – حيث قال: "إذا رأيت الرجل يدعوا على سلطان: فاعلم أنه صاحب هوى. وأن سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة – إن شاء الله تعالي".
يقول الفضيل بن عياض: "لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان. فأُمرنَا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم - وإن جاروا وظلموا - لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين".([5])
الصورة الثالثة- التماس العذر له:
"كان العلماء يقولون: إذا استقامت لكم أمور السلطان، فأكثروا حمد الله – تعالي – وشكره.
وأن جاءكم منه ما تكرهون، وجهوه إلي ما تستوجبونه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم.
وأقيموا عذر السلطان، لانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة، واستئلاف الأعداء وإرضاء الأولياء، وقلة الناصح وكثرة التدليس والطمع"ـ من كتاب "سراج الملوك" للطرطوشي.([6])
ولو ذهبنا نستقصي مثل هذه الصور الرائعة عن سلفنا الصالح، لطال المقام، واتسعت دائرة الكلام.
وفيما ذكرنا تنبيه على المقصود وإيضاح للمنشود، فمن تأمل فيه وأنصف بان له غلط من تعسف وأجحف، ولم ير لولاة الأمر حقاً، ولم يرع لهم قدراً، فجردهم عن الحق الذي فرضه الشارع لهم، إتباعاً للهوى وتأثراً بمذهب أهل الردى.
ومما يجدر العلم به أن قاعدة السلف في هذا الباب زيادة الاعتناء به كلما ازدادت حاجة الأمة إليه، سداً لباب الفتن وإيصاداً لطريق الخروج على الولاة الذي هو أصل فساد الدنيا والدين.
ولقد تجسدت هذه القاعدة فيما كتبه أئمة الدعوة النجدية – رحمهم الله تعالي – في هذا الباب، عندما تسربت بعض الأفكار المنحرفة فيه إلي جماعة من المنتسبين إلي الخير والصلاح.
فلقد أكثروا – رحمهم الله تعالي – من تقرير هذا الأمر، وأفاضوا فيه وكرروا بيانه زيادة في الإيضاح واستئصالاً للشبه الواردة عليه، ولم يكتفوا بكلمة واحدة، ولا تقرير فرد منهم لهذا الأمر الخطير، لعلمهم بما ينتج عن الجهل به من البلاء والشر المستطير.
وفي ذلك يقول الإمام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحم الله الجميع – في كلام متين، يكشف شيئاً من الشبه الملبسة في هذا الباب ويرد على من أشاعها من الجهال:
"... ولم يدر هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام – من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية – قد وقع منهم من الجراءة والحوادث العظام والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام والسادة العظام – معهم – معروفة مشهورة، لا ينزعون يد من طاعة فيما أمر الله به رسوله من شرائع الإسلام وواجبات الدين.
وأضرب لك مثلاً بالحجاج بن يوسف الثقفي، وقد أشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم، والإسراف في سفك الدماء وانتهاك حرمات الله وقتل من قتل من سادات الأمة كسعيد بن جبير، وحاصر بن الزبير – وقد عاذ بالحرم الشريف - واستباح الحرمة، وقتل بن الزبير – مع أن بن الزبير قد أعطاه الطاعة وبايعه عامة أهل مكة والمدينة واليمن، وأكثر سواد العراق، والحجاج نائب عن مروان، ثم عن ولده عبد الملك([7]) ولم يعهد أحد من الخلفاء إلي مروان ولم يبايعه أهل الحل والعقد، ومع ذلك لم يتوقف أحد من أهل العلم عن طاعته والانقياد له، فيما تسوغ طاعته فيه من أركان الإسلام وواجباته.
وكان بن عمر – ومن أدرك الحجاج من أصحاب رسول الله r - لا ينازعونه، ولا يمتنعون من طاعته فيما يقوم به الإسلام، ويكمل به الإيمان.
وكذلك من في زمنه من التابعين، كابن المسيب والحسن البصري وابن سيرين، وإبراهيم التيمي، وأشباههم ونظرائهم من سادات الأمة.
واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها، يأمرون بطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر – كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد.
وكذلك بنوا العباس استولوا على بلاد المسلمين قهراً بالسيف، لم يساعدهم أحد من أهل العلم والدين، وقتلوا خلقاً كثيراً وجمعاً غفيراً من بني أمية وأمرائهم ونوابهم، وقتلوا أبن هبيرة أمير العراق، وقتلوا الخليفة مروان، حتى نقل أن السفاح قتل في يوم واحد نحو الثمانين من بني أمية، ووضع الفرش على جثثهم وجلس عليها، ودعا بالمطاعم والمشارب.
ومع ذلك فسيرة الأئمة كالأوزاعي، ومالك، والزهري، والليث بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، مع هؤلاء الملوك لا تخفي على من لهم مشاركة في العلم واطلاع.
والطبقة الثانية من أهل العلم، كأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل، وحمد بن إدريس، واحمد بن نوح، وأسحق بن راهوية، وإخوانهم... وقع في عصرهم من الملوك ما وقع من البدع العظام وإنكار الصفات، ودعوا إلي ذلك، وامتحنوا فيه وقتل من قتل، كأحمد بن نصر، ومع ذلك، فلا يعلم أن أحداً منهم نزع يداً من طاعة، ولا رأي الخروج عليهم ...".([8])
فتأمل هذا الكلام البديع وأنظر فيه بعين الإنصاف، تجده من مشكاة السلف الصالح، على وفق الكتاب والسنة والقواعد العامة بعيداً عن الإفراط والتفريط.
وكلام أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالي – كثير في هذا الباب، تري طائفة منه في الجزء السابع من كتاب: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية".
كل هذا يؤيد ضرورة الاهتمام بهذا الأصل العقدي، وترسيخه عند غلبة الجهل به، أو فشوا الأفكار المنحرفة عن منهج أهل السنة فيه.
ولا ريب أن الزمن الذي نعيش فيه الآن أجتمع فيه الأمران: (غلبة الجهل بهذا الأمر، وفشو الأفكار المنحرفة فيه).
فواجب أهل العلم وطلبته: الالتزام بالميثاق الذي أخذه الله عليهم في قوله – تعالي - )لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ(([9]) فليبينوا للناس هذا الأصل محتسبين لله تعالي، مخلصين له أعمالهم، ولا يمنعهم من بيانه تلك الشبهات المتهافتة التي يروجها بعض من لا خلاق له.
كقول بعضهم من المستفيد من بيان هذا الأمر؟
يشير إلي أن المستفيد منهم الولاة فقط! وهذا جهل مفرط وضلال مبين، إذ منشؤه سوء الاعتقاد فيما يجب لولاة الأمر أبراراً كانوا أو فجاراً.
على أن الفائدة مشتركة بين الراعي والرعية كما لا يخفي على أهل العلم – بل قد تكون الرعية أكثر فائدة من الرعاة.
ومن الشبهة – أيضاً – قول بعضهم: إن الكلام في هذا الموضوع ليس هذا وقته.
سبحان الله ‍‍‍‍‍! متي وقته إذن؟ ءإذا طارت الرؤوس وسفكت الدماء؟ ءإذا عمت الفوضى ورفع الأمن؟
إن الكلام في هذا الموضوع يجب أن يكثف من قبل العلماء وطلبة العلم في هذه الأيام خاصة، لما حصل لفئة من الناس من تلوث فكري في هذا الباب، قاد زمامه شراذم من أصحاب الاتجاهات الدخيلة، فأفسدوا أيما إفساد، وشوشوا على عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب الخطير بما ألقوه من الشبه الفاسدة، والحجج الكاسدة.
ولا تغتر بمن ينكر وجود هؤلاء، ويقول (أن موضوع البيعة والسمع والطاعة لم يشكك فيه أحد) فإنه أحد رجلين: أما متستر عليهم يخشى من تصنيفهم بما هم عليه، أو جاهل لا يدري ما الناس فيه.
فليتقي الله – تعالي – هؤلاء المرجفون، ولينتهوا عن صد الناس عن سبيل الله تعالي، خدمة لأحزابهم، أو ترويجاً لمذاهبهم الفاسدة بمثل هذه الشبهة الواهية، أو إتباعاً لهؤلاء بغير هدي من الله.
وعلى من أراد لنفسه النجاة والفلاح أن يتأمل في نصوص الشرع الواردة في هذا الباب، فيعمل بها ويذعن لها، ولا يجعل للهوي عليه سلطاناً، فإن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الشرع المطهر.
وأكثر فساد الناس في هذا الباب إنما هو من جراء إتباع الهوى وتقديم العقل على النقل.
فبين لديه – أيها الطالب للحق – نصوص شرعية، ونُقول سلفية، فأرع لها سمعك، وأمعن فيها بصرك، جعل الله التوفيق حليفك، والتسديد رفيقك، وجنبنا – وإياك – مضلات الأهواء والفتن.




الفصل الأول
في قواعد تتعلق بالإمامة

القاعدة الأولي
جوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم
والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة، والترهيب من نقضها

قال الإمام الحسن بن على البربهاري – رحمه الله تعالي – في كتاب "السنة" له: "من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به، فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام؛ براً كان أو فاجراً ... هكذا قال أحمد بن حنبل".
وقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"([10]) – كتاب الإمارة – أن عبد الله بن عمر جاء إلي عبد الله بن مطيع – حين كان أمر الحرة ما كان – زمن يزيد بن معاوية، فقال عبد الله بن مطيع: أطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: أني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله r يقوله، سمعت رسول الله r يقول: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية".
عبد الله بن مطيع هو: ابن الأسود بن حارثة القرشي العدوى المدني.
قال بن حبان في "الثقات"([11]): "له صحبة، وُلدَ في حياة رسول الله، ومات في فتنة ابن الزبير".
وقال الحافظ في "التقريب": "له رؤية، وكان رأس قريش يوم الحرة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين".
قال الذهبي في "العبر"([12]) – في حوادث سنة ثلاث وستين: "كانت وقعة الحرة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه، فجهز لحربهم جيشاً عليهم مسلم بن عقبة".
"وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي".([13]) 
قال الحافظ بن كثير في "البداية والنهاية"([14]): "ولما خرج أهل المدينة عن طاعته – أي: يزيد – وولوا عليهم بن مطيع، وابن حنظلة، لم يذكروا عنه – وهم أشد الناس عداوة له – إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر وإتيانه بعض القاذورات ... بل قد كان فاسقاً، والفاسق لا يجوز خلعه، لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج – كما وقع في زمن الحرة".
"وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، لا بايع أحد بعد بيعته ليزيد كما قال الإمام أحمد([15]): حدثنا إسماعيل ابن علية: حدثني صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنية وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وأني سمعت رسول الله r يقول: "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان. وإن من أعظم الغدر – إلا أن يكون الإشراك بالله – أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه".
وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، قال الترمذي: "حسن صحيح"، كلام ابن كثير.
قلت: هو في كتاب الفتن من "صحيح البخاري" بالقصة نفسها.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالي – في "الفتح"([16]): "وفي هذا الحديث جواب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق".
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في "البداية والنهاية": "ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد - مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلي محمد بن الحنفية، فأرادوه على خلع يزيد، فأبي عليهم.
فقال ابن مطيع: أن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب.
فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده، فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير، يسأل عن الفقه، ملازماً للسنة.
فقالوا: فإن ذلك كان منه تصنعاً لك.
فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟!
أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك: إنكم لشركائه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لا تعلموا.
قالوا: إن عندنا لحق، وإن لم يكن رأيناه.
فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: )إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(([17])، ولست من أمركم في شيء.  
قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا.  
قال: ما استحل القتال على ما تريدونني عليه – تابعاً ولا متبوعاً .
قالوا: قد قاتلت مع أبيك – أي: على بن أبي طالب – رضي الله عنه.
قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه.
قالوا: فمر أبنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا.
قال: لو أمرتهما قاتلت.
قالوا: فقم معنا مقاماً تحض الناس فيه على القتال معنا.
قال: سبحان الله! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذاً ما نصحت لله في عباده!
قالوا: إذاً نُكْرهُكَ.
قال: إذا آمُرُ الناس بتقوى الله، ولا يُرْضُونَ المخلوق بسخط الخالق. وخرج إلي مكة".

القاعدة الثانية
من غلب فتولي الحكم واستتب له،
فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته

قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: "... ومن غلب عليهم – يعني: الولاة – بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً".([18])
واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه قال : "... وأصلي وراء من غلب".([19])
وقد أخرج أبي سعيد في "الطبقات"([20]) – بسند جيد – عن زيد ابن أسلم: "أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدي إليه زكاة ماله".
وفي "صحيح البخاري"([21]) – كتاب الأحكام، باب كيف يُبايع الإمام الناس – عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: "كتب: أني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وان بَنَّي قد أقروا بمثل ذلك".
قوله: "حيث اجتمع الناس على عبد الله عبد الملك"، يريد: ابن مروان بن الحكم.
والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، كل منهما يُدعَى له بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير "رضي الله عنه".  
وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقر له الأمر بايعه.([22])
وهذا الذي فعله ابن عمر من مبايعة المتغلب هو الذي عليه الأئمة، بل انعقد عليه الإجماع من الفقهاء:
ففي "الاعتصام" للشاطبي([23]): أن يحيى بن يحيى قيل له: البيعة مكروهة؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه، أنه كتب إليه: وأقر لك بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه محمد r".
قال يحيى بن يحيى: "والبيعة خير من الفُرْقَةِ".
وروى "البيهقي" في "مناقب الشافعي"([24]) عن حرملة، قال: "سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة، ويُجْمِعَ الناس عليه، فهو خليفة". انتهى.
وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالي – في "الفتح"([25])، فقال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المُتَغَلِّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء". انتهى.
وقد حكى الإجماع – أيضاً – شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالي – فقال: "الأئمة مجموعون - من كل مذهب - على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حُكْمُ الإمام في جميع الأشياء ...".
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحم الله الجميع -: "وأهل العلم .... متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة، ما لم يَرَوْا كُفراً بَوَاحَاً".
ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم".([26])

القاعدة الثالثة
إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر
وجبت طاعته، وحرمت معصيته

قال الغزالي: "لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته.
لأنَّا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه – أي: في هذا الاستبدال – من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة.
فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً.
وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال.
ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟!".([27])


وقد نقل الشاطبي في "الاعتصام"([28]) كلاماً للغزالي نحو هذا، لمَّا مَثَّل لـ"المصالح المرسلة" هذا نصه: "أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد، وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار [على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة].
وإن قُدَّرَ حضور قُرَشِيِّ مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة، واحتاج المسلمون في خلع الأول إلي تَعَرُّضٍ لإثارة فتن، واضطراب أمور، لم يَجُزْ لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحُكْمُ بنفوذ ولايته وصحَّة إمامته ...".
ثم ضرب الغزالي مثلاً رائعاً وهو: "أن العِلْمَ اشترط الإمام لتحصيل مزيد من المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد. فإذا عُلِمَ ذلك، فإن الثمرة المطلوبة من الإمامة: تطفئه الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة".
قال الغزالي بعد ذلك: "فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة، وتشويش النظام، وتفويت أصل المصلحة في الحال، تشوفاً إلي مزيد دقيقة في الفرق بين النظر والتقليد".([29])
قال الشاطبي – تعليقاً على كلام الغزالي -: "هذا ما قال – يعني: الغزالي – وهو متجه بحسب النظر المصلحي، وهو ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم يعضده نص على التعيين. وما قرره هو أصل مذهب مالك ...".
ثم ساق الشاطبي رواية عن مالك بن أنس في هذا الباب – تقدم ذكرها – وقال: "فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق، وإقامة المستحق، أن تقع فتنة وما لا يَصْلُحُ، فالمصلحة الترك".
وروي البخاري عن نافع، قال: "لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع بن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله r يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة"، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وأني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه".([30])
قال بن العربي: "وقد قال ابن الخياط: أن بيعة عبد الله لزيد كانت كُرْهَاً، وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يُعْلَمُ ذلك؟".  
قال: "وهذا أصل عظيم، فتفهموه والزموه، ترشدوا إن شاء الله". انتهى من (كتاب) "الاعتصام" للشاطبي.([31])

القاعدة الرابعة
يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ،ويأخذ كل إمام منهم
في قطره حكم الإمام الأعظم

"ومن لم يفرق بين حالي الاختيار والاضطرار، فقد جهل المعقول والمنقول".([32])
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالي -: "الأئمة مجموعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل – قبل الإمام أحمد إلي يومنا هذا – ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم".([33])
وقال العلامة الصنعاني – رحمه الله تعالي – في شرح حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فميتته ميتة جاهلية".([34])
"قوله: "عن الطاعة"، أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حُمِلَ الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام، لقلت فائدته.
وقوله: "وفارق الجماعة"، أي: خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم، واجتمعت به كلمتهم، وحاطهم عن عدوهم".([35])
وقال العلامة الشوكاني – رحمه الله تعالى – في شرح صاحب "الأزهار": "ولا يصح إمامان": "وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.
فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.
فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.
ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق.
وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد ... فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.
ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة، لأنه لا يعقلها".([36])
فهذه أقوال ثلاثة من علماء الأمة المجتهدين تقرر صحة تعدد الأئمة في بيعة الاضطرار، ومعولها على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والمصالح الكلية، وقد سبقهم إلي نحو هذا ثلة من العلماء المحققين.
من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس([37]): "إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان".
قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه -: "فلو بَعُدَ موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر".
وللشيخ علم الدين – من علماء العصر بالديار المصرية -: "يجوز ذلك للضرورة ...".
وقد حكي العلامة بن كثير الخلاف في هذه المسألة، وذكر قول الجمهور القائلين بعدم الجواز، ثم قال : "وحكي إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك.
قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ...".([38])
وقال المازري في "المعلم" ([39]): "العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز، وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره، حتى يضطروا إلي إقامة إمام يدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم".
وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة.
وعليه يثبت شرعاً لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً فيقيمون الحدود ونحوها، ويسمع ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالي –: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فُرِضَ أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق ...".([40])

القاعدة الخامسة
الأئمة الذين أمر النبي بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، 
الذين لهم سلطان وقدرة

أما من كان معدوماً أو لا قدرة له على شيء أصلاً، فليس داخلاً فيما أمر النبي r من طاعة الولاة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالي –: "إن النبي r أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً".([41]) انتهي.
وحجة هذا: أن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها، من إقامة العدل بين الناس، وإظهار شعائر الله تعالي، وإقامة الحدود، ونحو ذلك، لا يمكن أن يقوم بها معدوم لم يوجد بعد، ولا مجهول لا يعرف.
وإنما يقوم بها الإمام الموجود الذي يعرفه المسلمون عموماً، علماؤهم وعوامهم، شبابهم وشيبهم، رجالهم ونسائهم، والذي له قدرة على إنفاذ مقاصد الإمامة، فإذا أمر برد مظلمة ردت، وإذا حكم بحد أقيم، وإذا عزر نفذ تعزيزه في رعيته، ونحو ذلك مما هو من مظاهر السلطان والولاية، فهذا هو الذي يحقق الله على يديه مصالح المسلمين، فتأمن به السبل، وتجتمع عليه الكلمة، وتحفظ به بيضة أهل الإسلام.
فمن نزل نفسه منزلة ولي الأمر الذي له القدرة والسلطان على سياسة الناس، فدعا جماعة للسمع والطاعة له أو أعطته تلك الجماعة بيعة تسمع وتطيع له بموجبها، أو دعا الناس إلي أن يحتكموا إليه في رد الحقوق إلي أهلها تحت أي مسمي كان ونحو ذلك - وولي الأمر قائم ظاهر - فقد حاد الله ورسوله، وخالف مقتضي الشريعة، وخرج من الجماعة.
فلا تجب طاعته، بل تحرم، ولا يجوز الترافع إليه، ولا ينفذ له حكم، ومن آزره أو ناصره بمال أو كلمة أو أقل من ذلك، فقد أعان على هدم الإسلام وتقتيل أهله، وسعى في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين.

القاعدة السادسة
مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم

وذلك من طريقين:
الأول: الأمر بذلك، والتأكيد عليه.
الثاني: النهي عن كل ما يقضي إلي التفريط في توقيرهم واحترامهم، من سبهم وانتقاصهم، والتأليب عليهم، ونحو ذلك.
فمن الطريق الأول: ما بوب له الحافظ ابن أبي عاصم في كتابه "السُّنَّةِ"، حيث قال: "باب في ذكر فضل تعزيز الأمير وتوقيره.([42]) ثم ساق بسنده عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله r: "خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله - عز وجل -: من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازياً، أو دخل على إمامة يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته، فَسَلِمَ الناس منه وسَلِمَ من الناس".([43])
وبسنده أيضاً عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله ً يقول: "السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله".([44])
ومثل الإمام ابن أبي عاصم : الأمام أبو القاسم الأصبهاني – الملقب بقوام السنة – حيث قال في كتابه "الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة" ([45]): "فصل في فضل توقير الأمير" وساق حديث معاذ – رضي الله عنه – السابق وحديث أبي ذر – رضي الله عنه – الآتي.
ومثلهما - أيضاً -: التبريزي، حيث قال في كتابه "النصيحة"([46]): باب ذكر النصيحة للأمراء وإكرام محلهم، وتوقير رتبتهم، وتعظيم منزلتهم.
ومن الطريق الثاني: ما بوب له ابن أبي عاصم – أيضاً – في كتاب "السنة" حيث قال: باب ما ذكر عن النبي r من أمره بإكرام السلطان وزجره عن إهانته.([47])
ثم ساق بسنده حديث أبي بكر – السابق -: "من أهان سلطان الله، أهانه الله".
وبسنده – أيضاً – عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله r يقول: "سيكون بعدي سلطان، فمن أراد ذله ثغر في الإسلام ثغرة، وليست له توبة إلا أن يسدها، وليس يسدها إلي يوم القيامة".
وقد أخرج بن أبي عاصم في "السنة"([48]) هذا الحديث من وجه أخر صحيح: "عن معاوية بن أبي سفيان، قال: لما خرج أبو ذر إلي الرَّبَذَةِ، لقيه ركب من أهل العراق، فقالوا: يا أبا ذر، قد بلغنا الذي صنع بك، فاعقد لواءً يأتيك رجال ما شئت. قال: مهلاً مهلاً يا أهل الإسلام، فإني سمعت رسول الله r يقول: "سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من ألتمس ذُلَّهُ ثَغَرَ ثَغْرَةً في الإسلام، ولم يُقبل منه توبة حتى يُعيدها كما كانت".
وفي الباب أحديث وأثار كثيرة، ذكرت طرفاً منها في (الفصل السابع، في النهي عن سب الأمراء).([49])
ومن تأمل النصوص الواردة في هذا الباب، علم أن الشارع إنما أمر بتوقير الولاة وتعزيزهم، ونهي عن سبهم وانتقاصهم، لحكمة عظيمة ومصلحة كبرى، وأشار إلي طرف منها الإمام القرافي في كتابه "الذخيرة"([50]) فقال: "قاعدة ضبط المصالح العامة واجب، ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتي اختلفت عليهم – أو أهينوا – تعذرت المصلحة ...".
وقد أشار أيضاً العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله – إلي الحكمة في ذلك بقوله: "فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلي تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس.
كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى.
وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها.
فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر: ضاع الشرع والأمن.
لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، فحصل الشر والفساد.
فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبط الإنسان نفسه، وأن يعرف العواقب.
وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة ...".([51])
ورحم الله سهل بن عبد الله التستري حينما قال: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين: أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين: أفسدوا دنياهم وأخراهم".([52])
وأن شئت أن تتضح لك هذه القاعدة أكثر، وتعلم منزلتها عند علماء الأمة، فتأمل حادثة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، ساقها الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه "بدائع الفوائد"([53])، حيث يقول: "فائدة: عوتب ابن عقيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه فقال: أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده، أكان خطأ، أم واقعاً موقعه؟ قالوا: بلي، قال فالأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي العالم تربية عامة، فهو بالإكرام أولى".
ثم قال: "وللحال الحاضرة حكم من لابسها، وكيف يطلب من المبتلى بحالٍ، ما يطلب من الخالي عنها؟".





الفصل الثاني
في بيان المكانة العلية لولي الأمر
في الشرع المطهر

أولو الأمر لهم مكانة علية، ومنزلة رفيعة جلية، منحهم الشارع إياها ليتناسب قدرهم مع علو وظيفتهم، ورفيع منصبهم، وعظم مسؤوليتهم، فإن منصبهم – منصب الإمامة – إنما وضع ليكون خلفاً للنبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
أن وضع الشارع ولاة الأمر في هذه المكانة الشريفة، والرتبة المنيفة، هو عين الحكمة التي يرعاها في سائر تصرفاته، وعين المصلحة التي يتشوق إلي تحقيقها.
فإن الناس لا يسوسهم إلا قوة الإمام وحزمه، فلو لم يعطه الشارع ما يناسب طبيعة عمله من فرض احترامه وتعظيمه - ونحو ذلك - لامتهنه الناس، ولم ينقادوا له، ومن ثم يحل البلاء، وتعم الفوضى، وتفوت المصالح، فتفسد الدنيا ويضيع الدين.
قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في كتابه: "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام"([54]) في مساق ذكر حقوق ولي الأمر: "الحق الرابع: أن يعرف أن له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله – تعالي – له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم، مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم. وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة".
ولما أن الشارع أعطي ولي الأمر تلك المنزلة الرفيعة، وجدت الناس مفطورين على تعظيمه واحترامه وهيبته، ولا يخرج عن ذلك إلا ملوث الفطرة، ضعيف الديانة، ولذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه: "ما يَزَعُ الإمام أكثر مما يَزَعُ القرآن". أخرجه بن عبد البر في "التمهيد"([55]) من طريق ابن القاسم قال: حدثنا مالك: أن عثمان كان يقول ... فذكره.
قال ابن القاسم قلت لمالك: ما يَزَعُ ؟ قال: "يكف".
وأهل الأدب والكاتبون في الساسة يذكرون هذا الأثر بلفظ: "ما يَزَعُ الله بالسلطان أكثر ما يَزَعُ بالقرآن".([56])
قال ابن منظور في "اللسان"([57]) معناه: أن من يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن تكفه مخافة القرآن والله تعالي، فمن يكفه السلطان عن المعاصي أكثر ممن يكفه القرآن بالأمر والنهي والإنذار.
فهذا وجه من وجوه المصلحة في تأكيد الشارع على مكانة السلطان، ووجوب تعزيزه وتوقيره، مما يظهر عظمة السلطان، ويوقع مهابته في النفوس، فتنكف عن المحظور خشية بأس السلطان.
وذلك لأن العلة المانعة من الظلم عقلٌ زاجرٌ، أو دينٌ حاجزٌ، أو سلطان رادعٌ، أو عجزٌ صادٌّ، فإذا تأملت لم تجد لها خامساً.
ورهبة السلطان أبلغها، لأن العقل والدين ربما كانا مشغولين بداعي الهوى، فتكون رهبة السلطان أشد زجراً وأقوي ردعاً. قاله المناوي في "الفيض"([58]).
ونحن نذكر – إن شاء الله تعالي – جملاً في مكانة ولي الأمر في الشرع على جهة الاختصار، لأن كثيراً منها له موضع بسط في هذه الرسالة، وذلك ليكون إجلال المسلم سلطانه على جهة التعبد لله تعالي، والنصح للسلطان، فلا يخل بشيء من حقوقه عليه، كما لا يخل بشيء من حقوق والديه عليه، ويحتسب بذلك الأجر الأوفر من الله عز وجل.
فمن ذلك:  
1 - أنَّ الله – تعالي – أمر بطاعة الولاة وقرن طاعته تعالي، وطاعة رسوله r ، بطاعتهم، فدل على ذلك على رفيع شأنهم وعظيم قدرهم، قال تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(.([59])
وهذه الطاعة لولاة الأمر المفروضة على العباد مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي، فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالي.
2 - إخبار الشارع بأن من أكرم السلطان، أكرمه الله، ومن أهانه، أهانه الله.
والمعني أن من تجرأ على السلطان فأهانه بفعل أو قول فقد تعدي حدود الله ،وأرتكب محظوراً شنيعاً، فكانت عقوبته من جنس عمله المشين، وهي أن الله تعالي يقابل هوانه بهوانه، وهوان الله أعظم وأشد.
وما هذا العقاب الصارم لمن أهان السلطان إلا لما يترتب على إهانته من إذهاب هيبته، وتجريء الرعاع عليه مما ينافي مقاصد الشارع من نصب السلطان.
وفي المقابل: من أكرم السلطان بحفظ ما أثبته الشارع له من الحقوق والواجبات، فأجله وعززه وقدره، ولم يخرج عن أمره في المعروف، كان جزاؤه من جنس عمله المبارك، فأكرمه الله تعالي، في هذه الدنيا برفعته وتسخير قلوب العباد لإكرامه، وفي الآخرة بدخول الجنة.
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث أبي بكر رضي الله عنه: "من أجل سلطان الله، أجله الله يوم القيامة". أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة".([60])
3 - أنَّ السلطان ظل الله في الأرض، وهذه الجملة هي مقولة أهل السنة والجماعة، حكاها عنهم ابن أبي زمنين في كتابه "أصول السُّنَّة"([61]) وهي مروية في عدة أحاديث عن رسول الله r، ورواها أبو بكر وعمر، وابن عمر، وأبو بكرة، وأنس، وأبو هريرة - رضي الله عنهم - أشار إلي ذلك السخاوي في "المقاصد الحسنة"([62])، وذكر أنه جمعها في جزء سماه "رفع الشكوك في مفاخر الملوك".
قلت: حديث أبي بكر أصحها، وهو حديث حسن، كما سيأتي بيان ذلك، ولفظه عند ابن أبي عاصم في "السُّنَّة" ([63]): "السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله".
قوله "السلطان ظل الله": أي يدفع الله به الأذى عن الناس، كما أن الظل يدفع أذى حر الشمس. وأضيف إلي الله تعالي هنا في قوله "ظل الله" - وفي بعض الألفاظ "سلطان الله" - إعلاماً للناس بأنه ظل ليس كسائر الظلال، فهو أرفعها وأجلها، وأعظمها فائدة ونفعاً. وهذه الإضافة إلي الله إنما هي إضافة تشريف كما يقال: بيت الله، وكعبة الله، ونحو ذلك، ففيه إشارة إلي علو مكانة السلطان وشرف منزلته.
4 - نهي الشارع عن سب السلطان، وزجره لمن وقع في ذلك، وقد ورد في هذا المعني عدة أحاديث لا تصح، ولكن ثبت عن الصحابة من هذا شيء كثير.
يقول أنس - رضي الله عنه -: "نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله r قالوا: لا تسبوا أمرائكم ...".([64])
قال المنياوي في "فيض القدير"([65]): "جعل الله - السلطان - معونة لخلقه، فَيُصَانُ منصبه عن السب والامتهان، ليكون احترامه سبباً لامتداد فيء الله، ودوام معونة خلقه. وقد حذر السلف من الدعاء عليه، فإنه يزداد شراً، ويزاد البلاء على المسلمين".
وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من طريق أبي عثمان سعيد ابن اسماعيل الواعظ الزاهد : حدثنا موسي بن نصر: حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، قال: قال رسول الله r : "الدين النصيحة" (الحديث).
قال  أبو عثمان الزاهد: "فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالإصلاح والرشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعو عليهم باللعنة، فيزدادوا شراً، ويزداد البلاء على المسلمين، ولكن ادعوا لهم بالتوبة فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين ...".([66])
5 - نقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي:  )وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ(([67])، قال:
"قيل في معناه: لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، [فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقر لهم قرار، فتفسد الأرض ومن عليها]([68])، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله: )وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ(.([69])
قال الألوسي في تفسير هذه الآية: "وفي هذا تنبيه على فضيلة المُلْكِ، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم. ولهذا قيل: الدِّينُ والمُلْكُ تؤمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدِّينَ أُسٌ والمُلْكَ حَارِسٌ، وما لا أُسَّ له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع".([70])
فامتنان الله تعالي على عباده بإقامة السلطان بين أظهرهم دليل على فضل السلطان، إذ أن الله تعالي إنما يمتن على عباده بالأمور العظام، تنبيهاً على ما دونها، وإظهار لعظيم فضله تعالي.
6 - الإجماع المنعقد من الأمة على أن الناس لا يستقيم لهم أمر من أمور دينهم، ولا دنياهم إلا بالإمامة، فلولا الله ثم الإمامة لضاع الدين وفسدت الدنيا.
وفي هذا المعني يقول الفقيه أبو عبد الله القلعي الشافعي في كتابه "تهذيب الرياسة"([71]): "نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود. لو لم نقل بوجوب الإمامة، لأدي ذلك إلي دوام الاختلاف والهرج إلي يوم القيامة. لو لم يكن للناس إمام مطاع، لنْثَلَمَ شَرَفُ الإسلام وضاع. لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر. لو خلي عصرٌ من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يُحَجَّ البيت الحرام. لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى. لولا السلطان، لكان الناس فوضي، ولأكل بعضهم بعضا". هذا الكلام من أجمع الكلام وأحكمه وأعذبه.
7 - أن السلطان أعظم الناس أجراً إذا عدل.  يقول العز بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" ([72]): "وعلى الجملة، فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام - بإجماع أهل الإسلام - لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل. فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة، كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وزجر عنه من المفاسد، ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها ...".
قال: "وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم - يعني القاضي - لأن ما يجلبه من المصالح ويدرؤه من المفاسد أتم وأعم".([73])
وقد أخرج البخاري([74])  ومسلم([75]) عن أبي هريرة عن النبي r قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل ..." (الحديث).
قال الحافظ: "المراد به صاحب الولاية العظمي، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين، فعدل فيه ...".([76])
وإنما جوزي بهذا الجزاء، لأن الناس كانوا في ظله في الدنيا، فكان جزاؤه في الآخرة من جنس عمله في الدنيا، جزاءً وفاقاً.
وقدمه r لأنه أفضل السبعة، وأعلاهم مرتبة، فإنهم داخلون تحت ظله، ولعموم النفع به.([77])
وقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ الإمام يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته.([78]) 
وهذا ما أشار إليه العز في قوله المتقدم : "كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح ..."الخ.
قال ابن الأزرق المالكي: "وقاعدة أن فاعل السبب بمنزلة فاعل المسبب قاطعة بذلك".
وإليها يشير قوله r: "من دعي إلي هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلي ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً". رواه مسلم عن أبي هريرة.([79])
وكما أنه إذا دعا إلي هدى كان له مثل أجر من عمله من رعيته، فإنه لو دعا إلي باطل من معتقد فاسد أو معصية، فعمل بها الناس، فعليه من الآثام مثل آثام من تبعه في ذلك إلي يوم القيامة.([80])
8 - إجماع المسلمين على أن الولايات من أفضل الطاعات، حكاه العز ابن عبد السلام في "القواعد".([81])
وأنها من أعظم واجبات الدين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.([82])
ولو ذهبنا نستقصي مكانة الولاة في الإسلام لطال بنا الكلام وتشعبت بنا الأبحاث، وفيما ذكرنا تنبيه على المقصود والله من وراء القصد.





الفصل الثالث
حكم الإمامة، والحكمة منها، وبيان مقاصدها

أولاً- حكم الإمامة:
نَصْبُ الإمام فرض واجب على المسلمين، وهذا باتفاق الأئمة والأمة، لا ينازع في ذلك إلا مبطل أصم عن نصوص الكتاب والسنة.
وإجماع الصحابة بعد موت النبي r على نَصْبِ الإمام قبل الاشتغال بدفنه r دليل قاطع على أنه من أهم الواجبات.([83])
وقد حكى الإجماع على ذلك أهل التحقيق من العلماء، ففي "الأحكام السلطانية"([84]) - لأبي الحسن الماوردي-: "وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب - بالإجماع - وإن شذ عنهم الأصم".
قلت: الأصم، هو: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ المعتزلة ([85]). ولا عبرة بخلافه، بل قال القرطبي – رحمه الله تعالي – في "الجامع لأحكام القرآن" ([86]): "ولا خلاف في جواب ذلك – أي: عقد الإمامة – بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه".
ومن الأدلة على وجوب نصبه:
1 - أنَّ الشرع المطهر علق أحكاماً كثيرة بالإمام، منها قوله تعالي:  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(.([87])
2 - ومنها قوله r: "من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية".([88]) فكيف يأمر – تعالي – بطاعة الإمام وليس وجوده واجباً؟ وكيف يموت – من يموت وليس في عنقه بيعة – ميتة جاهلية، والإمام ليس واجباً وجوده؟
3 - قال أبو داود في "سننه"([89]): باب في القوم يسافرون، يُؤَمِّرُونَ أحَدَهُم، وأخرج فيه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله r قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر، فَلْيُؤَمِّرُوا أحَدَهُم".
وعن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: "إذا كان ثلاثة في سفرـ فلْيُؤَمِّرُوا أحدهم".
قال نافع: فقلنا لأبي سلمة: "فأنت أميرنا".
رجال الحديثين ثقات ،واضطراب محمد بن عجلان فيه - مرة يجعله من حديث أبي هريرة، ومرة يجعله من حديث أبي سعيد -: لا يضر، لأنه انتقال من صحابي إلي آخر وكُلٌّ حُجَّةٌ، فالحديث صحيح. أفاد ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالي.([90])
وأخرج الإمام أحمد في "المسند"([91])، ­عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، أنَّ رسول الله r قال: "... ولا يحل لثلاثة نفر، أن يكونون بأرض فلاة، إلا أَمَّرُوا عليهم أحَدَهُم".
قال الهيثمي في "المجمع"([92]): رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قلت: يعضده ما سلف.
وأخرج البزار في "مسنده"([93])، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : "إذا كنتم ثلاثة في سفر، فأَمِّرُوا عليكم أحَدَكُمْ، ذاك أميرٌ أَمَّرَهُ رسول الله r".
قال ابن كثير: "هذا إسناد جيد ...".([94])
وصوب الدارقطني وقفه على عمر.([95])
وقد دل هذا الحديث على وجوب الإمامة من جهة أنَّه r أوجب على الثلاثة تأمير أحدهم إذا سافروا مع قلة عددهم، وقِصَرِ مدة بقائهم، فكان نَصْبُ الإمامة في الحضر أولي.
أفاد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.([96])
وبناء على هذه الأدلة الشرعية ونحوها، فإن تولي الإمامة فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين.
قال القاضي أبو يعلى([97]): "وهي فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس، أحدهما : أهل الاجتهاد، حتى يختاروا. والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة".

ثانياً- الحكمة من الإمامة:
1 - طبع بنوا آدم – إلا الأنبياء والمرسلين – على حب الانتصاف وعدم الإنصاف، فلو لم يكن عليهم سلطان يسوس أمورهم لكانوا كوحوش الغابة وحيتان البحر يأكل القوي الضعيف.
وأن شئت أن تري هذه الحقيقة نصب عينيك فانظر في هذا الزمن – مثلاً – إلي "إشارات المرور" كيف تنظم هذه الإشارات سير الناس بسياراتهم، فإذا حصل عطل فهل رأيت شريعة الغاب ترفع أعلامها، فلا تسأل عن المقاحمات الشديدة بين قائدي السيارات، كل منهم يريد أن ينفذ الأول، لا فرق بين متعلمهم ومثقفهم وبين جاهلهم وسوقيهم، حتى إذا أصبحت السيارات – جميعها – ككتلة واحدة، بدأ السباب والشتام، وقد يرتقي إلي الضرب ونحوه، حتى يجيء شرطي المرور، فيحتاج وقتاً لتنظيم هذا السير، وفك هذا الاختناق.
فما بالك بالبلد التي لا سلطان فيها يحكم أمرها، فيمنع المظالم وينصف أصحاب الحقوق، وينظم أحوال الناس في معاشهم؟ لا ريب أنها ستكون مسرح فوضى، وفلاة سباع.
ولهذا قال الإمام أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا يُصلِحُ الناس إلا أمِيرٌ: بر، أو فاجر".
قالوا : يا أمير المؤمنين هذا البر، فكيف الفاجر؟!
قال : "إن الفاجر يُؤَمَّنُ الله – عز وجل – به السبل، ويجاهد به العدو، ويجيء به الفيء، وتقام به الحدود، ويُحَجُّ به البيت، ويَعبُدُ الله فيه المسلم آمناً، حتى يأتيه أجله".
أخرجه وكيع في "أخبار القضاة"([98]) والبيهقي في "الشعب".([99])
فتأمل – أيها المسلم – هذا الكلام الصادر عن علم من أعلام الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين الكرام، الذي عاني في فترة خلافته من تفرق المؤمنين، والاختلاف بينهم في أمر الدنيا والدين، فكلامه هذا من شرع الله – تعالي – فبه يجب الأخذ والتسليم، ثم هو خلاصة تجربة من بلغ أعلى مراتب السياسة، وأجل مقامات الولاية، فعض على حديثه الرائق بالأسنان، وإياك ثم وإياك من نزعات الشيطان.
ولما وقعت فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون - وكان فيها ما كان - أنطلق الإمام أحمد بن حنبل من القاعدة الشرعية والتجربة المرعية، فقال - رحمه الله تعالي- في رواية المروذي عنه: "لابد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟!".  
وقال - أيضاً -: "والفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس". أخرجه الخلال في "السنة".([100])
وهكذا كل عالم، بل كل عاقل من بني آدم، لا يخرج إلا بهذه النتيجة، ولا يعقد قلبه إلا على هذه العقيدة.
2 - كل بني آدم لا تتم مصلحتهم – لا في الدنيا ولا في الآخرة – إلا بالاجتماع والتعاون، والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم.
ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع.
فإذا اجتمعوا، فلابد لهم من أمور يفعلونها، يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد.
فجميع بني آدم لابد له من طاعة آمر وناه ...إلخ. من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "الحسبة".([101])

ثالثاً- مقاصد الإمامة:
جماع مقاصد الإمامة والولاية على المسلمين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال المولي عز وجل: )الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور(.([102])
وقال عز وجل: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(.([103])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي:([104]) "المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم".
فأفاد - رحمه الله - أن مقاصد الإمامية، تتمثل في مقصدين عظيمين:
الأول: القيام بدين الله عز وجل.
والثاني: القيام بما يصلح الدنيا وفق ما جاء به الشرع المطهر وأباحه.
فرجع الأمر كله في سياسة الأمة إلي الله وحده )إنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ(، فدين الله الإسلام الذي بعث به نبينا محمد r هو خاتم الأديان، وأكملها، جاء لتنظيم مصالح الناس في الدين والدنيا قال تعالي )مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ(.([105])
وقال: )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(.([106])
فمن زعم أن هذا الدين العظيم فرط في بعض ما يحتاجه الناس في أمر الدين، أو السياسة الدنيا، فقد رد على الله عز وجل خبره، فخاب وخسر خسراناً مبيناً.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالي: "لا سياسة إلا ما وافق الشرع".([107])
وعبارة الشافعي – هذه – صريحة في أن السياسة العادلة المحمود صاحبها هي الموافقة لشرع الله، الذي جاء به قرآن يتلى أو سنة تهدي، أو إجماع أو قياس معتبران في الشرع المطهر، وذلك حق، إذ في هذه الأدلة الأربعة من بيان الأحكام للأمور المستقرة والمستجدة من نوازل كل عصر، ما يكفي لكون هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان إلي قيام الساعة.
ومن هذا البيان يتضح أن تقسيم الناس الحكم إلي شريعة وسياسة تقسيم باطل! وَضَّحَ هذا العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالي، فقال في معرض رده على من زعم ذلك: "والسياسة نوعان: سياسة عادلة، فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيماتها. وسياسة باطلة، مُضادةٌ للشريعة مُضَادَّةَ الظلم للعدل ...".
إلي أن قال: "فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثة الأنبياء وغيرهم، وأصله مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته r بالسُّنَّة إلي كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم، التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم ،وأنه لا حاجة إلي أحد سواه البتة، وإنما حاجتنا إلي من يبلغنا عنه ما جاء به. فمن لم يستقر هذا في قلبه، لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول. بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك، كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلي المكلفين، فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة، كذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلي سواه، وإنما يحتاج إلي غيره من قل نصيبه من معرفته وفهمه، فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته، وإلا فقد توفي رسول الله r وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع، والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه حتى أنه رأي عين، وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله، ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم، وما جري لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من أحوال طرق الخير والشر – دقيقها وجليلها – ما لم يعرفه نبي لأمته قبله وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده من البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلي لهم ذلك حتى كأنهم عاينوه. وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد، والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال، ما ليس لمن عرفه حاجة إلي كلام أحد من الناس البتة، وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه، لم يقم لهم عدو أبداً. وكذلك عرفهم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها ويحترزون بها من كيده ومكره، وما يدفعون به شره ما لا يزيد عليه. وبذلك أرشدهم في معاشهم إلي ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة. وبالجملة فقد جاءهم رسول الله r بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلي أحد سواه، ولهذا ختم الله به ديوان النبوة، فلم يجعل بعده رسولاً، لاستغناء الأمة به عمن سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلي سياسة خارجة عنها؟! أو إلي حقيقة خارجة عنها؟! أو إلي قياس خارج عنها؟! أو إلي معقول خارج عنها؟! فمن ظن ذلك، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلي رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك:
قال تعالي: )أوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(.([108])   
وقال تعالي: )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(.([109])   
وقال تعالي: )إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(.([110])   
وقال تعالي: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(.([111])   
وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما في الناس محتاجون إليه، على زعمهم الباطل؟!
ويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين، واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال؟ أهل كانوا مهتدين بالنصوص؟ أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدى منهم؟! هذا ما لا يظنه من به رمق من عقل أو حياء، نعوذ بالله من الخذلان.
ولكن من أوتي فهماً في الكتاب أو أحاديث الرسول r أستغني بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وهذا الفصل لو بسط كما ينبغي، لقام منه عدة أسفار، ولكن هذه لفظات تشير إلي ما وراءها". (كلام ابن القيم – رحمه الله تعالي – من "بدائع الفوائد").([112])
وقد بين العلماء كثير من المقاصد الأساسية للإمامة في الشريعة الإسلامية، ما بين مطول ومختصر، وأَلَّفَ/ صديق حسن خان (المتوفى سنة 1307هـ) كتاباً بعنوان "إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة".
ولما رأيت العلامة ابن جماعة الكتاني – رحمه الله تعالي – قد استوفي جل هذه المقاصد، وعبر عنها بالحقوق الواجبة على السلطان، آثرت سياقها كما ذكرها، حيث ذكر الحقوق التي للسلطان، والحقوق التي عليه، وهذا مسردها ([113]):
"للسلطان أو للخليفة على الأمة عشرة حقوق، ولهم عليه عشرة حقوق:
أما حقوق السلطان العشرة:
فالحق الأول:
بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً، في كل ما يأمر به أو ينهي عنه، إلا أن يكون معصية، قال الله تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(.
وأولو الأمر هم: الإمام ونوابه، عند الأكثرين.
وقيل: هم العلماء.([114])
وقال النبي r: "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب - أو كَرِهَ - ما لم يؤمر بمعصية".
فقد أوجب الله تعالي ورسوله: طاعة أولي الأمر، ولم يستثن منه سوي المعصية، فبقي ما عداه على الامتثال.
الحق الثاني:
بذل النصيحة له سراً وعلانية.
قال رسول الله r: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن؟ قال: "لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمته المسلمين، وعامتهم".
الحق الثالث:
القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين.
الحق الرابع:
أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم، فليس من السنة.
الحق الخامس:  
إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه.
الحق السادس:
تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى، أو خارجي([115]) يخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف عليه منه – على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه – فإن ذلك من آكَدِ حقوقه وأوجبها.
الحق السابع:
إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.
الحق الثامن:
إعانته على ما تَحَمَّلَهُ من أعباء الأمة، ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله تعالي: )وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى(، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور.
الحق التاسع:
رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه، لما في ذلك من مصالح الأمة، وانتظام أمور الملة.
الحق العاشر:
الذَّبُّ عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن، والسر والعلانية.
وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها، صفت القلوب وأخلصت، واجتمعت الكلمة وانتصرت.
وأما حقوق الرعية العشرة على السلطان، فهي:  
الحق الأول:
حماية بيضة الإسلام والذَّبُّ عنها، إما في كل إقليم - إن كان خليفة - أو في القطر المختص به، إن كان مفوضاً إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش وتجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة المانعة، والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم.
الحق الثاني:
حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام، النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام، ومصادر النقض والإبرام.
قال الله تعالي لنبيه r: )وشاورهم في الأمر(.([116])   
قال الحسن: "كان – والله – غنياً عن المشاورة، ولكن أراد أن يستن لهم".

الحق الثالث:
إقامة شعائر الإسلام، كفروض الصلوات، والجمع والجماعات، والأذان، والإقامة، والخطابة، والإقامة، ومنه: النظر في أمر الصيام والفطر وأهِلَّتِهِ، وحج البيت الحرام وعمرته.
ومنه: الاعتناء بالأعياد، وتيسير الحجيج من نواحي البلاد، وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم، وانتخاب من ينظر أمورهم.
الحق الرابع:
فصل القضايا والأحكام، بتقليد الولاة والحكام، لقطع المنازعات بين الخصوم، وكف المظالم عن المظلوم، ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته، وصيانته من العلماء والصلحاء، والكُفَاةِ النصحاء، ولا يدع السؤال عن أخبارهم، والبحث عن أحوالهم، ليعلم حال الولاة مع الرعية، فإنه مسؤولٌ عنهم، مُطالبٌ بالجناية منهم.
قال رسول الله r: "كل راع مسئول عن رعيته".
الحق الخامس:
إقامة فرض الجهاد بنفسه، وبجيوشه، أو سراياه وبعوثه، وأقل ما يجب في كل سنة مرة، إن كان بالمسلمين قوة، فإن دعت الحاجة إلي أكثر منه، وجب بقدر الحاجة، ولا يخلي سنة من جهاد إلا لعذر، كضعف بالمسلمين – والعياذ بالله تعالي – واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد أستولي الكفار عليها.
ويبدأ بقتال من يليه من الكفار إلا إذا قصده الأبعد فيبدأ بقتاله لدفعه.
الحق السادس:
إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجزؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها، ويسوى في الحدود بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، قال رسول الله r: "إنما أهلك من كان قبلكم: أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".
الحق السابع:
جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها، وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك إلي الثقات من العمال.
الحق الثامن:
النظر في أوقاف البر والقربات، وصرفها فيما هي له من الجهات، وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات.
الحق التاسع:
النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلي مستحقيها.
الحق العاشر:
العدل في سلطانه، وسلوك موارده في جميع شأنه، قال تعالي: )أن الله يأمر بالعدل والإحسان(.([117]) 
وقال تعالي: )وإذا قلتم فاعدلوا(.([118])   
وفي كلام الحكمة: عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه؟!
فيجب على من حكمه الله تعالي في عباده، وملكه شيئاً من بلاده، أن يجعل العدل أصل اعتماده، وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأن نعم الله يجب شكرها، وأن يكون الشكر على قدرها، ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة، فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر. وأفضل ما يشكر به السلطان لله تعالي: إقامة العدل فيما حكمه فيه.
وقد اتفقت شرائع الأنبياء، وآراء الحكماء والعقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات، وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك، ولا شك عندهم في ذلك ...".
الفصل الرابع
في وجوب السمع والطاعة في غير معصية

السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين - في غير معصية - مجمع على وجوبه عند أهل السنة والجماعة، وهو أصل من أصولهم التي باينوا بها أهل البدع والأهواء.
وقل أن تري مؤلفاً في عقائد أهل السنة إلا وهو ينص على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا وظلموا، وإن فسقوا وفجروا.
وقد نقل الإجماع على ذلك حرب الكرماني - صاحب الإمام أحمد - حيث قال في "العقيدة" التي نقلها عن جميع السلف: "والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه، حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك، فهو مبتدع مخالف للجماعة".([119])
يقول الحسن البصري رحمه الله: "هؤلاء - يعني الملوك - وإن رقصت بهم الهماليج([120]) ووطئ الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا من الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم، فمن أراد به خيراً لزم ذلك، وعمل به، ولم يخالفه".([121])
وقد بين العلامة صدر الدين السلمي في رسالته: "طاعة السلطان"([122]) الحكمة من تأكيد الشارع على وجوب السمع والطاعة للأئمة في غير معصية وتحذيره الشديد من مخالفة أمرهم كذلك فقال رحمه الله تعالي: "وقد روينا في الأحاديث الصحاح التي بلغت حد التواتر - أو كادت أن تبلغه - أمر النبيً بالسمع والطاعة لولى الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له، ما لو ذكرناه لطال الكلام لكن أعلم - أرشدك الله وإياي إلي الإتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع - أنَّ من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفة المحررة، أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية، وأنَّ طاعة السلطان مقرونة بطاعة الرحمن، وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمر المسلمين. وأنَّ عصيان السلطان يهدم أركان الملة, أن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعة السلطان عصمة من كل فتنة ونجاة من كل شبهة، وأن طاعة السلطان عصمة لمن لجأ إليها، وحرز لمن دخل فيها، وبطاعة السلاطين تقام الحدود، وتؤدي الفرائض، وتحقن الدماء، وتأمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء: أن طاعة السلطان هدي لمن استضاء بنورها، وموئل لمن حافظ عليها. وأن الخارج من طاعة السلطان منقطع العصمة، برئ من الذمة، وأن طاعة السلطان حبل الله المتين، ودينه القويم، وجنته الواقية، وأن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلي وحشة المعصية، ومن أسر غش السلطان ذل وزل، ومن أخلص له المحبة والنصح، حل من الدين والدنيا في أرفع محل. وقد روينا في الأحاديث الصحاح أمر النبي r بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له ما لو ذكرناه، لكان بما حله الناظر، وسأمه الخاطر، كما تقدم فاقتصرنا على ما أوردناه، واكتفينا بما بيناه".
وكل ما ذكره - رحمه الله تعالي – حق، ما دام السلطان لم يأمر بمعصية الله تعالي، فإن أمر بمعصية الله تعالي، فقد حرمت طاعته في المعصية، وفي ذلك مصالح الدين والدنيا، لأن ذلك تقديم لطاعة الملك الديان وعصيان لأولياء الشيطان )إن كيد الشيطان كان ضعيفاً(.
والإجماع الذي أنعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك، ونحن نذكر طرفاً منها يحصل به المقصود، ويتضح به الحق إن شاء الله تعالي:
الدليل الأول:
قول الله تعالي: )فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(.([123])
قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: "لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة - يشير إلي قوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً( تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته - عز وجل - وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ...".([124])
قال النووي رحمه الله تعالي: "المراد بأولي الأمر: من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء والعلماء ...".([125])
واختلف أهل العلم - رحمهم الله تعالي - في )أولي الأمر( الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية: فذهب جماهير أهل العلم - كما تقدم - إلي أنها في الأمراء، وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه، وقال آخرون: هي عامة تشمل الصنفين.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالي في تفسيره([126]): "وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله r بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة ..."، إلي أن قال: "فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ( بطاعة ذي أمرنا، كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم - تعالي ذكره - من ذوي أمرنا هم الأئمة، ومن ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية الله، ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإن على من أمروا بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره".
وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي رحمه لله، وقد احتج له بحجة أخري، فقال: "والحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء".([127])
وقد سبق الجمع إلي ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالي، وقرره تقريراً حسناً، كما نقله الحافظ ابن حجر([128]): قال الشافعي: "كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة، وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة، فلما دانت لرسول الله r بالطاعة، لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي r، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر".
والحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه البخاري([129]) ومسلم([130]) في صحيحيهما" عن ابن جريح قال: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(، في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، بعثه رسول الله r في سرية. أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ففي هذه الآية وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر.
وهذا مطلق يقيد بما ثبت في السنة في أن الطاعة تكون في غير معصية الله تعالي.
"ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عن الأمر بطاعتهم، وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون في معصية".([131])

الدليل الثاني:
أخرج البخاري في "صحيحه" - كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام، ما لم تكن معصية - ومسلم في "صحيحه" - كتاب الإمارة([132]) - عن عبد الله بن عمر عن النبي r، أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
قوله: "فيما أحب وكره"، أي: فيما وافق غرضه أو خالفه.
قال المباركفوري في "شرح الترمذي": "وفيه: "أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب".
قال المطهر على هذا الحديث: "يعني: سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإن أمره بها، فلا تجوز طاعته، لكن لا يجوز له محاربة الإمام".([133])
وقوله: "فلا سمع ولا طاعة يعني: فيما أمر به من المعصية فقط، فإذا أمره أن يُرابي أو أن يقتل مسلماً بغير حق، ونحو ذلك، وجب أن يعصي أمره في ذلك، فلا يمتثل. ولا يفهم من ذلك أنه إذا أمر بمعصية، فلا يسمع له مطلقاً في كل أوامره، بل يسمع له ويطاع مطلقاً، إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة".([134])
قال حرب في "العقيدة" التي نقلها عن جميع السلف: "وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقه".([135])
الدليل الثالث:
أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" - كتاب الإمارة([136]) - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله r: "عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك".
قوله: "منشطك" مفعل من النشاط، أي: في حالة نشاطك.
وكذلك قوله: "ومكرهك" أي: حالة كراهتك.
والمراد: في حالتي الرضي والسخط، والعسر واليسر، والخير والشر. قاله ابن الأثير.([137])
قال العلماء، كما حكي النووي: "معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة".
 قال: "والأثرة": الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم.
أي: أسمعوا وأطيعوا وإن أختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم.([138])
الدليل الرابع:
أخرج مسلم في "صحيحه"([139]) - وبوب عليه النووي فقال - باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق. عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله r فقال: يا نبي الله، أرأيت أن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية - أو في الثالثة - فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: "أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".
وفي رواية لمسلم – أيضاً : فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله r: "أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم".
والمعني: أن الله تعالي حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس فإذا لم يقيموه أثموا، وحمل الرعية السمع والطاعة لهم، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإلا أثموا.

الدليل الخامس:
أخرج مسلم في "صحيحه"([140]) عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - قال: "قلت: يا رسول الله ! إنا كنا بِشَرِّ، فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شَرٌّ؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت فهل وراء الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع".
وهذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب إذ قد وصف النبي r هؤلاء الأئمة بأنهم: لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك غاية الضلال والفساد، ونهاية الزيغ والعناد، فهم لا يهتدون بالهدي النبوي في أنفسهم، ولا في أهليهم، ولا في رعاياهم... ومع ذلك فقد أمر النبي r بطاعتهم – في غير معصية الله – كما جاء مقيداً في حديث آخر – حتى لو بلغ الأمر إلي ضربك وأخذ مالك، فلا يحملنك ذلك على ترك طاعتهم وعدم سماع أوامرهم، فإن هذا الجرم عليهم وسيحاسبون ويجازون به يوم القيامة.
فإن قادك الهوى إلي مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطيع لأميرك، لحقك الآثم ووقعت في المحظور.
وهذا الأمر النبوي من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضروب إن لم يسمع ويطع، وذاك المضروب إذا لم يسمع ويطع... أفضي ذلك إلي تعطيل المصالح الدينية والدنيوية، فيقع الظلم على جميع الرعية أو أكثرهم، وبذلك يرتفع العدل عن البلاد، فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع.
بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج، وسمع وأطاع لقامت المصالح ولم تتعطل، ولم يضع حقه عند الله تعالي، فربما عوضه خير منه، وربما أدخره له في الآخرة.
وهذا من محاسن الشريعة، فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً، فالحمد لله على لطفه بعباده.
الدليل السادس:
أخرج مسلم في "صحيحه"([141]) عن عوف بن مالك عن رسول الله r، قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم". قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة".   
وفي لفظ أخر له: "ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة".
الدليل السابع:
أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما"([142]) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r: "من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصي الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصي أميري فقد عصاني".
وفي لفظ لمسلم: "ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصى الأمير، فقد عصاني".
وقد بوب البخاري - رحمه الله - على هذا الحديث في كتاب الأحكام من "صحيحه"، فقال: باب قول الله تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ(.([143])
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم: المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد".
الدليل الثامن:
أخرج البخاري في "صحيحه" - كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r: "أسمعوا وأطيعوا، وأن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".
الدليل التاسع:
أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما"([144])، عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه، قال: "دعانا رسول الله r، فبايعناه، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان". هذا لفظ لمسلم.
وقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه"([145]) بلفظ: "أسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك، وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك، إلا أن يكون معصية".
الدليل العاشر:
أخرج ابن أبي عاصم في "السُّنَّة"([146]) بسند جيد، عن معاوية رضي الله عنه، عن النبي r، قال: "إنَّ السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له".
الدليل الحادي عشر:
أخرج ابن أبي عاصم في "السُّنَّة"([147]) أيضاً عن عُدي ابن حاتم رضي الله عنه، قال: "قلنا: يا رسول الله، لا نسألك عن طاعة من أتقي، ولكن من فعل وفعل - فذكر الشر، فقال: "اتقوا الله، واسمعوا وأطيعوا".
الدليل الثاني عشر:
أخرج ابن زنجوية في كتاب "الأموال"([148])، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله r، قال: "ليس السمع والطاعة فيما تحبون، فإذا كرهتم أمراً تركتموه، ولكن السماع والطاعة فيما كرهتم وأحببتم، فالسامع المطيع لا سبيل عليه، والسامع العاصي لا حجة له".
الدليل الثالث عشر:
أخرج ابن حبان في "صحيحه"([149])، عن عبد الله ابن الصامت، قال: "قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين! أفتح الباب حتى يدخل الناس، أتحسبني من قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعدون فيه، حتى يعود السهم على فوقه، وهم شر الخلق والخليقة. والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لما قمت، ولو أمرتني أن أكون قائماً لقمت ما أمكنتني رجلاي، ولو ربطتني على بعير لم أطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تطلقني. ثم أستأذنه يأتي الربذة، فأذن له، فأتاها، فإذا عبد يؤمهم فقالوا: أبو ذر، فنكص العبد، فقيل له [لأبي ذر]: تقدم، فقال: أوصاني خليلي r بثلاث: "أن أسمع وأطيع، ولو لعبد حبشي مجدع الأطراف ...". (الحديث).
الدليل الرابع عشر:
أخرج ابن أبي عاصم في "السنة"([150])، عن المقدام بن معدي كرب، أن رسول الله r قال: "أطيعوا أمراءكم مهما كان، فإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به، فهو عليهم، وأنتم منه براء، وأن أمروكم بشيء مما جئتكم به، فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون عليه، وذلك بأنكم إذا لقيتم ربكم قلتم: ربنا لا ظلم، فيقول: لا ظلم، فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلاً، فأطعناهم، واستخلفت علينا خلفاء، فأطعناهم، وأمرت علينا أمراء، فأطعناهم، فيقول: صدقتم، وهو عليهم، وأنتم منه براء".
الدليل الخامس عشر:
أخرج ابن أبي عاصم في "السنة"([151]) عن أبي امامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله r يقول: "إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها نفوسكم، وأطيعوا أمرائكم، تدخلوا جنة ربكم". إسناده صحيح.
الدليل السادس عشر:
أخرج ابن سعيد([152]) أن زيد بن وهب قال: "لما بعث عثمان إلي ابن مسعود يأمره بالقدوم إلي المدينة، أجتمع الناس فقالوا: أقم، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: "إن له علىَّ حق طاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن".
فتأمل فعل ابن مسعود هنا، وفعل أبي ذر المتقدم مع أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عن الجميع – يظهر لك ما كان عليه جماعة السلف من التسليم المطلق لأمر الشارع r وتقديم قوله على ما تهوي النفس.
وإن الإثارة على الولاية القائمة فتح باب شر على الأمة.
قال أئمة الدعوة - رحمهم الله تعالي - عند إيرادهم لطائفة من الأحاديث النبوية في هذا الباب: "إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين: أن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة".([153])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهي الله عنه من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم - بوجه من الوجوه - كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم".([154])




1) جاء نحو ذلك عن عمر – رضي الله عنه – أخرجه الدارمي (1/69). وفي: "تهذيب تاريخ دمشق" (7/67) عن أبي الدرداء، معناه.
2) ((آداب الحسن البصري)) لابن الجوزي: (ص121)، وينظر ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب: (2/117)، ط. الرسالة. و((الجليس الصالح والأنيس الناصح)) لسبط ابن الجوزي (ص 207).
 قوله: ((لكفر)) يعني به: كفر دون كفر.
3) ذكره سبط ابن الجوزي في ((الجليس الصالح والأنيس الناصح)) (ص 207).
[4]) ((الآداب الشرعية))  لابن مفلح : (1/195/196)، وأخرج القصة الخلال في ((السنة)): (ص 133).
[5]) ((طبقات الحنابلة)) (2/36) ومقولة الفضيل بن عياض، وأخرجها أبو نعيم في ((الحلية)) (8/91-92) وفي ((فضيلة العادلين من الولاة)) (ص 171-172).
[6]) (ص 43).
[7] ) المعروف أنه نائب عن عبد الملك بن مروان، فقط.
[8]) ((الدرر السنية في الأجوبة النجدية)): (7/177-178)
[9]) سورة آل عمران: الآية 187.
[10]) (12/240- النووي)
[11]) (3/219) ط. الهند.
[12]) (1/67).  
[13]) ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي: (ص 209)، ط. محي الدين عبد الحميد. 
[14]) (8/232)  ط. السعادة
[15]) ((المسند)) (7/231-232)، (8/84) ط. الشيخ أحمد شاكر.
[16]) (13/68).
[17]) سورة الزخرف، الآية: 86 .
[18]) ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى: (ص 23)، ط. الفقي. وأنظر هذه العقيدة كاملة في ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى: (1/241-246).  
[19]) ذكر ذلك القاضي في ((الأحكام السلطانية )): (ص 23) من رواية أبي الحارث عن أحمد.
[20]) (4/193 ): ط. دار صادر، بيروت. 
[21]) (13/193).
[22])  ينظر ((الفتح)): (13/194). 
[23]) (3/46) ط مكتبة التوحيد، تحقيق الشيخ مشهور آل سلمان.
[24]) (1/448)، ط. دار التراث، تحقيق : السيد أحمد صقر.
[25] ) ( 13/7 ) .
[26]) ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية )): (3/168).
[27])  ((إحياء علوم الدين )) وما بين شطرين من (( شرحه )) للزبيدي (2/233).
[28])  ( 3/44)، وقد وقفت على كلام الغزالي هذا في كتابه (( فضائح الباطنية )) ( 119/120 )
[29]) يا ليت إخواننا الذين يشوشون على الناس في قضية ((تخلف بعض شروط الإمامة)) يتأملون هذا الكلام العلمي الرصين وينظرون ما علق عليه الشاطبي – وهو من علماء الاجتهاد – تأييداً ونصرة له (المؤلف).
[30]) صحيح البخاري كتاب الفتن، باب: إذا قال عند قوم شيئا ً ثم خرج فقال بخلافه: (13/68). 
[31]) (3/46-47)، ونحو هذا الكلام لابن العربي في ((العواصم من القواصم)) لابن الوزير، ط مؤسسة الرسالة: (2/172)، وقد ذكر نظائر لهذه المسألة، منها نكاح المرآة بغير إذن الولي متي غاب وليها وبعد مكانه، أو جهلت حياته، فقد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع – وهو رضا  الولي – لأجل مصلحة امرأة واحدة، وخوف مضرة امرأة المفقود، فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين وخوف مضرتهم؟)) الخ ما ذكره من النظائر.
[32]) ((العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)): (8/174)، ط. مؤسسة الرسالة، وقد ساق الأدلة من العقل والنقل على هذه الجملة، فأرجع إليه .
[33]) ((الدرر السنية في الأجوبة النجدية)): (7/239).
[34]) أخرجه مسلم في ((صحيحه ))- كتاب الإمارة -: (3/1476).
[35]) ((سبيل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام)): (3/499)، ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
[36]) ((السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)): (4/512).
[37]) في كتابه ((بدائع السلك في طبائع الملك)): (1/76-77) ط. العراق، تحقيق الدكتور على النشار. 
[38]) ((تفسير ابن كثير)): (1/74)، ط1. مكتبة النهضة بمكة المكرمة.
[39]) ((المعلم بفوائد مسلم)): ( 3/35-36).
[40]) ((مجموع الفتاوى)): (35/175-176). 
[41]) ((منهاج السنة النبوية)) (1/115) ط. رشاد سالم.
[42]) (2/490-492)
[43]) حديث صحيح بطرقه، وقد أخرجه أيضاً – الإمام أحمد في ((المسند)) (5/241)، انظر ((ظلال الجنة في تخريج السُّنَّة)) للألباني: (2/490-491). وقد أخرج بن زنجويه في كتاب ((الأموال)): (1/87) نحوه من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكر فيه ((ستاً)) بدل ((خمس)) وفي آخره: ((قال: قلت: ما الضامن؟ قال: من مات في شيء منها دخل الجنة)).
[44]) حديث حسن، انظر (ص 126)
[45]) (2/409)
[46]) (ص 89).
[47]) (2/489-490)
[48]) ( 2/513) .
[49]) (ص 173)، وينظر في ((رد المختار على الدر المختار)) لابن عابدين الحنفي (3/120): مطلب: تعظيم أولي الأمر واجب، وفي كتاب ((طاعة السلطان)) لأبي عبد الله صدر الدين محمد بن إبراهيم السلمي المناوي الشافعي (ص 41): الفصل الثاني: فيما يجب من تعظيمه، وحقه على رعيته. 
[50]) (13/234) ط. دار الغرب الإسلامي.
[51])  نقلاً عن رسالة ((حقوق الراعي والرعية)) مجموعة خطب للشيخ ابن عثيمين.
[52]) (تفسير القرطبي): (5/260-261).
[53]) (2/176) ط. المنيرية.
[54]) ط. قطر، تحقيق الدكتور/ فؤاد عبد المنعم: (ص 63).
[55]) (1/118),  
[56]) ينظر: ((تهذيب الرياسة وترتيب السياسة)) للقلعي: ص 95، ط. مكتبة المنار، الأردن و ((الكامل في اللغة والأدب)) للمبرد (1/157)، ط مكتبة المعارف، بيروت.
[57]) (8/390).
[58]) ( 4/143).
[59]) سورة النساء الآية : 59.
[60]) ينظر: ((تهذيب الرياسة وترتيب السياسة)) للقلعي: ص 95، ط. مكتبة المنار، الأردن و ((الكامل في اللغة والأدب)) للمبرد (1/157)، ط مكتبة المعارف، بيروت.
[61]) (2/492).
[62]) (ص 275).
[63]) (ص 105-106)، ط. الخانجي بمصر، والمثني ببغداد.
[64]) انظر الفصل السابع في النهي عن سب الأمراء.
[65]) (6/499).
[66]) ((الجامع لشعب الإيمان))  للبيهقي: (13/99) ط. الدار السلفية والحديث في ((صحيح مسلم)).  
[67]) سورة البقرة: الآية 251.
[68]) ما بين المعقوفتين زيادة من ((الشهب اللامعة)) للمالقى (ص 61).   
[69]) ((تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام))، (ص 49).
[70]) ((روح المعاني)) (1/174)، ط. المنيرية، وانظر: البحر المجيد لأبي حيان (2/269)، ((حسن السلوك الحافظ دولة الملوك)) لمحمد ابن محمد الموصلي (ص 64) ط. دار الوطن.
[71]) (ص94 -95) وانظر لهذا المعني ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية: (28/390).
[72]) (1/104)، ط. مؤسسة الريان، بيروت، 1410 هـ.
[73]) ((القواعد)): ( 1/104 ).
[74]) (2/143) – ((الفتح))  باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد. 
[75]) (2/715) كتاب الزكاة. 
[76]) ((الفتح)) (2/144-145). 
[77]) ينظر: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)): (2/405)، و (الفتح) (2/145) و ((القواعد لابن عبد السلام)): (1/104).
[78]) ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي: (2/254).
[79]) ((بدائع السلك في طبائع الملك)): (1/84)، وينظر رسالة للسيوطي اسمها: ((الأحاديث المنيفة في فضل السلطنة الشريفة)) ط. مكتبة القرآن بمصر. 
[80]) ينظر لذلك: ((القواعد)) لابن عبد السلام: (1/104).
[81]) (1/104).
[82]) ((مجمع الفتاوى)): ((28/390))
[83]) ينظر  ((الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة)) للهيتمي (1/25).  
[84]) (ص 5).  
[85]) (( سير أعلام النبلاء)) (9/402).
[86]) (1/264).  
[87])  سورة النساء: الآية 59.
[88]) سبق الإشارة إليه.
[89])  (3/81).
[90])  ((إرواء الغليل)) (8/106).
[91])  (2/177).
[92])  (8/63-64).
[93])  (3/81).
[94])  ((مسند الفاروق)) (2/651).  
[95])  ((العلل)) (2/151)، وينظر: ((ميزان الاعتدال)) (3/378) للذهبي.
[96])  ((الحسبة)) (ص 11).  
[97])  ((الأحكام السلطانية)) (ص 19).  
[98])  (1/21).  
[99])  (13/187).
[100])  (1/81).  
[101])  (ص 2).
[102])  سورة الحج: الآية 41.
[103])  سورة النور: الآية 55.
[104])  ((مجموع الفتاوى)) (28/262).
[105])  سورة الأنعام: الآية 38.
[106])  سورة النحل: الآية 89.
[107])  نقلها ابن عقيل الحنبلي وفسرها كما في ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/152).
[108]) سورة العنكبوت: الآية 51.
[109]) سورة النحل: الآية 89.
[110]) سورة الإسراء: الآية 9.
[111]) سورة يونس: الآية 57.
[112]) (3/155-156) .
[113])  ((تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام)) (ص 61-71)، وانظر حقوق الرعية في ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص 19) حيث قال: ((ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء)).
[114]) ((تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام)) (ص 61-71)، وانظر حقوق الرعية في ((الأحكام السلطانية)) لأبي يعلى (ص 19) حيث قال: ((ويلزم الإمام من أمور الأمة عشرة أشياء)).
[115]) يقصد: شخصاً ما منتسب إلى "الخوارج" (وحالياً يأخذ حكمهم: "الدواعش" – أو أية منظمات إرهابية.
[116] ) سورة آل عمران: الآية 159.
[117]) سورة النحل: الآية 90.
[118]) سورة الأنعام: الآية 152.
[119]) نقلها ابن القيم في ((حادي الأرواح)) (ص 399 – 406)، وينظر (ص 91).  
[120] ) فارسي معرب، والهماليج: نوع من الدواب.
[121]) كتاب ((آداب الحسن البصري)) لابن الجوزي: (ص 121).
[122]) (ص 45).
[123]) سورة النساء الآية :59
[124]) ((المحرر الوجيز)): ( 4/158 ) ط. المغرب.
[125]) ((شرح النووي على مسلم)): (12/223) .
[126]) (5/150) ط 3. الحلبي .
[127]) ((الجامع لشعب الإيمان)) للبيهقي: (13/41).
[128]) ((العجاب في بيان الأسباب)): (2/898).
[129]) (5/180).
[130]) (3/1465).
[131]) ((تفسير السعدي)): (2/89)، ط. السعدية.
[132]) البخاري: (13/121)، ومسلم: (3/1469).
[133]) ((تحفة الأحوذي)): (5/365). ط. السلفية بالمدينة.
[134]) ينظر: ((تهذيب الرياسة وترتيب السياسة)) للقلعي: (ص 113-114).
[135]) ينظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص 401).
[136]) (3/1467).
[137]) ((جامع الأصول)): (4/66) .
[138]) ((شرح مسلم)): (12/225).
[139]) (3/1474).
[140]) (3/1476).
[141]) (3/1467).
[142])  البخاري (13/111)، ومسلم (3/1466)
[143]) سورة النساء: آية 59.
[144]) البخاري، الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس؟ ( 13/192 )، ومسلم ( 3/1470 ).
[145]) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)): (10/426).  
[146]) (2/503)، وهو في المسند للإمام أحمد (4/96) ، وانظر: مجمع الزوائد (5/271).
[147]) قال الألباني: حديث صحيح. ينظر: ((ظلال الجنة في تخريج السنة)) (2/508).  
[148]) (1/73 – 74) وفي إسناده ابن لهيعة، وهو صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ولمتن هذا الحديث شواهد كثيرة.  
[149]) ((الإحسان في تقرير صحيح ابن حبان)): (13/301) و ((موارد الظمآن إلي زوائد ابن حبان)): (ص 372).   
[150]) (( السنة )) (2/499) .
[151]) المصدر السابق .
[152]) كما في ((الإصابة)) (6/217) .
[153])  من ((نصيحة مهمة في ثلاث قضايا)) (ص 48) الطبعة الثالثة.
[154]) ((مجموع فتاوي ابن تيمية)) (35/12).