الثلاثاء، نوفمبر 07، 2017

أشخاص التنفيذ و محله

أشخاص التنفيذ ومحله ..

أشخاص التنفيذ:
أن المركز القانوني (الذى ينشأ عن التنفيذ) يقوم بين طرفين:
أولهما: القائم بالتنفيذ أو طالب التنفيذ أو مباشر التنفيذ.
وثانيهما: من يجرى التنفيذ ضده.
كما تعتبر الدولة بالضرورة طرفا ثالثا في هذه العلاقة لأن طالب التنفيذ لابد أن يلجأ في ذلك إلى السلطة العامة.
وقد يقتضى التنفيذ أحيانا تدخل الغير فيه، وبذلك يصبح هذا الغير من أطراف التنفيذ.
وسنعرض فيما يلى لموقف كل من هؤلاء الأطراف الأربعة.

1) طالب التنفيذ:
طال بالتنفيذ هو أول شخص يظهر على مسرح التنفيذ وهو الذى يلعب الدور الإيجابي فيه، ويعبر عنه عادة بكلمة "الحاجز" – إذا كان التنفيذ يتم بطريق الحجز – كما يعبر عنه أيضاً بكلمة "الدائن" على اعتبار أنه هو صاحب الحق في التنفيذ ولا مانع لدينا من التعبير عنه بأي لفظ من هذه الألفاظ مادام مفهوماً أن المقصود به هو من يطلب اجراء التنفيذ لصالحه، سواء أكان ذلك بطريق الحجز أو بطريق التنفيذ العيني، وسواء أكان صاحب حق شخصي أم صاحب حق عيني أو أي حق آخر أياً ما كان وصفه.
ويشترط فيمن يطلب التنفيذ شرطان أولهما – أن تتحقق فيه صفة الدائن وثانيهما – أن تتوافر له الأهلية اللازمة للتنفيذ.
أما عن الشرط الأول، فإنه يجب أن يكون حق طالب التنفيذ (وهو الحق الذى يجرى التنفيذ لاقتضائه) ثابتاً وقت التنفيذ. فإذا كان دائناً وجب أن تثبت له صفة الدائن وقت الحجز وإذا كان صاحب حق عيني وجب أن يكون ذلك الحق ثابتاً له وقت التنفيذ. ويترتب على ذلك أن الحجز يكون باطلاً إذا تبين مثلاً أن الحاجز لم يصبح دائناً إلا في أثناء سير الاجراءات، فثبوت هذه الصفة له بعد الحجز لا يصحح الاجراءات([1]).
ولكن الحق في طلب التنفيذ ليس قاصر على دائن دون آخر، فالتنفيذ حق لأى دائن، أي لكل من تثبت له صفة الدائن أو من يصدق عليه هذا الوصف سواء في ذلك الدائن العادي أو المزود بتأمين كالدائن المرتهن أو صاحب حق الامتياز، فصاحب الرهن أو الامتياز بل وصاحب الحق في الحبس لا يملك أن يمنع دائنا عاديا من الحجز على المال الضامن لحقه. وغاية الأمر أن صاحب الرهن أو الامتياز يتقدم على الدائن العادي عند التوزيع وصاحب حق الحبس يستطيع أن يتمسك بحقه في عدم التخلي عن الشيء الموجود في حيازته الا بعد استيفائه لدينه. وإذا كان يحق للدائن العادي أن ينفذ على مال مرهون فلا شك في أنه يجوز من باب أولى للدائن المرتهن المتأخر في المرتبة أن يجرى التنفيذ. ولا يحتج عليه هنا بانعدام مصلحته في ذلك. كما أن للدائن المرتهن أن يجرى التنفيذ على المال المرهون أو على مال آخر مملوك للمدين، ولا يقال أنه لا يجوز للدائن المرتهن أن يتخذ اجراءات التنفيذ على مال للمدين لم يخصص لوفاء حقه إلا بعد التنفيذ على المال المرهون فقد ألغى النص الذى كان يتضمنه قانون المرافعات السابق والذى كان ينطوي على هذا المعنى.
أما الشرط الثاني في طلب التنفيذ فهو الأهلية، إذ يجب أن يكون متمتعا بالأهلية اللازمة لمباشرة اجراءات التنفيذ.
والأهلية المطلوبة في هذا المقام هى أهلية الادارة لأنه إذا كان استيفاء الدين (أو اقتضاء الحق بصفة عامة) معتبرا عملاً من أعمال الادارة فلا شكل في أن الوسيلة اليه – (وهى اتخاذ اجراءات التنفيذ) – تكون كذلك من أعمال الادارة، خصوصا وأن مباشرة اجراءات التنفيذ لا تؤدى إلى الزام القائم بها بالتزامات تمس أصل ماله.
فالتنفيذ على العقار كالتنفيذ على غير العقار مجرد وسيلة لاستيفاء الدين لا تؤدى إلى ايجاد التزام يتكيف قانونا بأنه عمل من أعمال التصرف فلم يعد اذن محل للقول في ظل قانون المرافعات الجديد بأن التنفيذ العقاري تلزم له أهلية التصرف بل أنه قد أصبح كغيره من طرق التنفيذ (كحجز المنقول وحجز ما للمدين لدى الغير) مجرد عمل من أعمال الادارة غايته استيفاء الدين ولذلك يكفى أن يكون طالب التنفيذ متمتعاً بـأهلية الادارة.
ولا يفهم من ذلك أن من لا يتمتع بأهلية الادارة لا يمكن أن يقتضى حقه عن طريق التنفيذ على أموال المدين وانما نقصد بذلك أن الاجراءات يجب أن تتخذ بمعرفة من يمثل ناقص الأهلية كالولي أو الوصي أو القمم.
ويلاحظ أن طالب التنفيذ قد لا يكون هو الدائن الأصلي. إذ أن هذا الدائن قد يتنازل عن حقه إلى سواه، وقد يتوفى فينتقل حقه إلى ورثته ومن في حكمهم، ولذلك فان التنفيذ يجرى عندئذ بناء على طلب الخلف الذى حصل التنازل له عن الحق أو انتقل اليه بحكم الميراث أو الوصية. غير أن من حق المدين في هذه الحالة أن يعترض على طالب التنفيذ طالبا منه اثبات صفته لأن التنفيذ يؤدى إلى وفاء المدين بما عليه، وهذا الوفاء لا يكون صحيحاً إلا إذا حصل إلى من له الصفة في اقتضائه. ولذلك فإن من حق المدين أن يتحقق من صفات طالب التنفيذ.
ويلزم من ذلك أن طالب التنفيذ إذا كان قد حل محل الدائن الأصلي عن طريق التنازل أو انتقال الحق إليه فإنه يجب أن يعلن المدين – قبل البدء في التنفيذ – بالسند الذى يخول له هذه الصفة والا جاز للمدين أن يطلب ابطال الاجراءات فضلا عن أنه في حالة التنازل أو الحوالة يتعرض المتنازل له أو المحال له لخطر وفاء المدين إلى الدائن الأصلي أو وقوع المقاصة بينهما قبل الاعلان.
على انه يراعى في هذا الشأن أن قبول المدين للحوالة يخول للمحال له الحق في التنفيذ على المدين دون اعلانه بسند التحويل إذ أن قبول المدين للحوالة يقوم مقام اعلانها اليه. وانما يلزم اعلانه بالسند التنفيذي.
وقد يحصل التنفيذ بمعرفة نائب عن الدائن: سواء في ذلك أن يكون نائباً اتفاقياً – أي وكيلاً – أو نائباً قانونياً – كالقيم أو الولي أو الوصي ولكن يلزم لذلك أن يذكر النائب عند اتخاذه للإجراءات أنه يقوم بها بهذه الصفة لحساب الأصيل.
وطباً للمادتين 235 و 236 من القانون المدني يجوز للدائن أن يقوم بالتنفيذ على مدين مدينه بشرط توجيه الاجراءات إلى المدين ويعتبر الدائن في هذه الحالة نائباً نيابة قانونية عن مدينه. ويجب أن يختصم المدين في الاجراءات وان يبين أه يقوم بها نيابة عن مدينه بطريق الدعوى غير المباشرة.
على أن حجز ما للمدين لدى الغير قد يغنى عن اتباع هذا الطريق الذى يستلزم توافر شروط معينة لقيام الدائن باستعمال حقوق مدينه كما يؤدى إلى استفادة جميع الدائنين من ذلك ولو لم يتدخلوا في الاجراءات.
وإذا توفى طالب التنفيذ في أثناء سير الاجراءات، فإن ذلك لا يبطل الاجراءات التي تمت صحيحة قبل وفاته ولا يؤدى إلى انقطاع سير الاجراءات قياسا على الخصومة لما بين الأمرين من فرق، وغاية ما هنالك أن يستمر الورثة في التنفيذ بعد إعلان من يجرى التنفيذ ضده بما يثبت صفتهم أي انهم يتابعون الاجراءات التي اتخذها مورثهم، ومن النقطة التي انتهى عندها، إذا لم تكن قد سقطت.

2) من يجرى التنفيذ ضــده:
هذا هو الطرف الثاني من أطراف التنفيذ، وهو الطرف السلبى فيه، ويعبر عنه عادة بلفظ (المحجوز عليه) إذا كان التنفيذ حاصلاً بطريق الحجز كما يعبر عنه أيضاً بلفظ (المدين) على تقدير أن من يجرى التنفيذ ضده يعتبر في مقام المدين بالنسبة للعلاقة التنفيذية. مع أنه قد لا يكون مديناً بالمعنى المفهوم في القانون المدني([2]) بل أنه حتى إذا كان الأمر متعلقاً بدين فان من يجرى التنفيذ ضده قد لا يكون هو المدين – ومثال ذلك التنفيذ ضد الكفيل العيني، أو ضد من انتقلت اليه ملكية العقار المرهون، والذى يعبر عنه في اصطلاح المرافعات بلفظ "الحائز".
ولا يثير أمر المحجوز عليه كبير خلاف إذ الأصل أنه مادام الدائن هو صاحب الحق في التنفيذ فإنه ينبغي في مقابل ذلك أن لا يتم التنفيذ الا ضد المدين بمعنى أنه يجب أن تتحقق صفة المديونية فيمن يجرى التنفيذ ضده.
وهذه القاعدة، إذ تقضى بأن التنفيذ انما يجرى ضد المدين، تقضى ألا يجرى التنفيذ الا على المدين، ولهذا الجانب من القاعدة استثناءات سنعرض لها: فإن ثمة حالات يجوز التنفيذ فيها على غير المدين.
كما تقتضى هذه القاعدة – من جهة أخرى – أنه كلما تحققت صفة المديونية في شخص كان التنفيذ ضده جائزا، غير أن لهذا الجانب الثاني من القاعدة، بدوره، استثناءاتهن فان هنالك من المدينين من لا يجوز التنفيذ ضده.
ومؤدى الجانب الأول من القاعدة أن التنفيذ لا يمكن أن يجرى الا على المدين، غير أنه تستثنى من ذلك حالتان يجوز التنفيذ فيها ضد غير المدين وهما:
أولاً: حالة التنفيذ على العقار المرهون أعمالا لحق التتبع المقرر للدائن المرتهن فإن التنفيذ يجوز عندئذ أن يجرى ضد الحائز أي من انتقلت اليه ملكية ذلك العقار المرهون قبل اتخاذ اجراءات التنفيذ العقاري، مع أنه ليس مديناً.
ثانياً: حالة التنفيذ ضد الكفيل العيني وهو من يرهن عقاره ضماناً لدين سواه، وقد نص القانون على أنه لا يجوز التنفيذ ضده إلا في حدود ما رهن (م 1050 مدنى) ويستطيع هذا الكفيل العيني (كما يستطيع الحائز في الحالة الأولى) أن يتفادى توجيه الاجراءات اليه إذا تخلى عن العقار المرهون وفقاً للأوضاع المقررة في شأن التخلية (مادة 1071 مدنى) وليس ذلك الا نتيجة لكونه غير مدين، وانما اقتضى التنفيذ اتخاذ الاجراءات ضده نظرا لأنه هو مالك العقار الذى يجرى التنفيذ عليه.
أما الجانب الثاني من القاعدة، ومضمونه أنه كلما تحققت صفة المديونية في شخص فان التنفيذ ضده يكون جائزاً، فإن له – بدوره – استثناءاته، إذ أن هناك مدينين لا يجوز التنفيذ ضدهم رغم تحقق صفة المديونية فيهم. وذلك في الحالات الآتية:
الحالة الأولى – عندما يكون المدين هو الدولة أو أحد فروعها أي أحد الأشخاص المعنوية العامة. إذ لا يجوز الحجز على ممتلكاتها المعتبرة أموالا عامة لأن المال العام لا يجوز التصرف فيه ومن ثم يكون التنفيذ عليه غير جائز، أما الأموال المملوكة ملكاً خاصاً للدولة وفروعها أي ما يسمى بالدومين الخاص فقد جرى العرف على عدم جواز الحجز عليها لأن ذلك يؤدى إلى الاخلال بهيبة الدولة ويمس الثقة المفروضة فيها.
الحالة الثانية – عندما يكون المدين دولة أجنبية، أو ممثلا دبلوماسيا لدولة أجنبية، فان لهذه الطائفة من المدينين حصانة مقررة بمقتضى القانون الدولي العام.
فتثير هذه المسألة بعض الصعوبة عندما تقوم احدى الدول بأعمال تجارية لا علاقة لها بسيادتها كدولة([3]) أو عندما يقوم الممثل الدبلوماسي بأعمال تجارية لا علاقة لها بوظيفته أو مهمته الدبلوماسية.
ومن المتفق عليه أن الأموال المملوكة لدول أجنبية أو لهيئات دولية لا يجوز الحجز عليها لما في ذلك من المساس بسيادة تلك الدول أو الحصانة المقررة دوليا لتلك الهيئات.
ولذلك لا يجوز الحجز على دور السفارات والقنصليات الأجنبية ولا على محتوياتها ولا على المنقولات المملوكة لها حتى لو وجدت خارج دار السفارة أو القنصلية كالسيارات([4]) وأما الأموال المملوكة ملكاً خاصاً للممثلين الدبلوماسيين، والتي توجد خارج([5]) دار السفارة أو القنصلية، فيمكن الحجز عليها لاستيفاء ما على الممثل الدبلوماسي من ديون شخصية.
وقد ورد في موسوعة كارنتييه([6]) أن عدم جواز التنفيذ على الدبلوماسيين قاصر على المنقولات اللازمة للعمال وظيفتهم.
والمقصود من ذلك بطبيعة الحال هو أموال السفراء الموجودة خارج دار السفارة، أما إذا كانت أموالهم داخل السفارة فإن حصانة الدار تشملها إذ يمتنع على عمال التنفيذ دخلوها وبذلك لا يتسنى لهم ايقاع الحجز عليها.
وعلى ذلك فإذا اشترى أحد رجال السلك الدبلوماسي لنفسه عقارا في البلد التي يؤدى فيها مهمته، فإنه يجوز التنفيذ على هذا العقار لاستيفاء ما عليه من ديون شخصية كما لو كان قد باشر أعمالا تجارية أسفرت عن مديونيته أو ارتكب حادثا وحكم عليه بالتعويض، أو اشترى شيئا ولم يدفع ثمنه أو اقترض مبلغا ولم يسدده وكذلك يجوز الحجز على منقولاته التي توجد خارج دار السفارة إذا لم تكن لازمة لأعمال وظيفته كما لو كان يملك سيارة خاصة غير سيارته الرسمية، أو كان له دين في ذمة الغير، أو نحو ذلك.
ولا تشترط الأهلية فيمن يجرى التنفيذ ضده: فيجوز التنفيذ ضد ناقص الأهلية أو عديمها ولكن يلزم لصحة الاجراءات أن توجه الأوراق المتعلقة بالتنفيذ، وان تتخذ الاجراءات، ضد من يمثل عديم الأهلية أو ناقصها.
غير أنه قد يقال في هذا الشأن أن ناقص الأهلية أو عديمها لا يتصور الوصول إلى مرحلة التنفيذ ضده، لأنه غير قادر على الالتزام أصلا، فمن أين يتأتى التنفيذ؟ وأنه أن كان التنفيذ يجرى ضد ناقص الأهلية باعتباره وارثا، فالتنفيذ في الواقع انما يجرى ضد تركة المورث، ولا يختصم القاصر في الاجراءات الا باعتباره وارثا. ومن البديهي أن الاجراءات تتخذ في مواجهة من يمثله.
الا أننا إذا دققنا النظر نجد أن من المتصور أن يتم التنفيذ ضد عديم الأهلية أو ناقصها، إذا كان الالتزام قد انعقد في ذمته وهو كامل الأهلية، أو صدر الحكم ضده وهو رشيد، ثم أصيب قبل التنفيذ بما ينتقص أهليته أو يعدمها.
بل أن المتصور أن يتولد الحق لطالب التنفيذ ضد شخص ناقص الأهلية من الأصل أو عديمها([7]). كما لو اكتسب شخص حق ارتفاق على عقار مملوك لقاصر، واستصدر حكما بذلك ثم عمد إلى تنفيذه، أو إذا كان الالتزام الواقع على عاتق القاصر ناشئا عن فعل ضار، بل ولو كان التنفيذ يجرى بناء على عقد أبرمه القاصر، ولم يطعن فيه أحد بعد بالبطلان. ففي مثل هذه الأحوال يجب أن يتم التنفيذ في مواجهة من يمثل ناقص الأهلية أو عديمها، كالولي أو الوصي أو القيم.
وبعبارة أخرى عامة، يمكننا أن نقول أنه كلما كان التنفيذ يجرى ضد شخص ناقص الأهلية أو عديم الأهلية، سواء أكان نقص أهليته أو انعدامها أصيلاً فيه أو طارئا عليه بعد الالتزام أو بعد الحكم وقبل التنفيذ وسواء أكان هو الملتزم الأصلي أو كان وارثا للملتزم، فإنه يجب اتخاذ الاجراءات في مواجهة من يمثل ناقص الأهلية أو عديمها.
كذلك إذا كانت اجراءات التنفيذ قد بدأت ضد شخص كامل الأهلية ثم طرأ عليه ما ينتقص من أهليته أو يعدمها، فإنه ينبغي في هذه الحالة متابعة الاجراءات في وجه من يمثله.
وغنى عن البيان أنه لا يجب في هذه الأحوال اختصام ناقص الأهلية أو عديمها أي توجيه الأوراق والاجراءات إليه شخصياً، بالإضافة إلى توجيهها لمن يمثله، لأن مثل هذا الاجراء عبث، بل يكفى اختصام الوالي أو الوصي أو القيم مع ذكر صفته، وبيان اسم الأصيل، الذى يجرى التنفيذ عليه، والذى يمثله ذلك الولي أو الوصي أو القيم.

فإذا اتضح أنه ليس لناقص الأهلية أو عديمها من يمثله:
كما لو كان قاصرا ولم يعين له وصى، أو مجنونا لم يحجر عليه بعد رغم شيوع أمره، وبالتالي لم يعين له قيم، فمن حق طالب التنفيذ أن يلجأ إلى المحكمة المختصة (دائرة الأحوال الشخصية بها) طالبا تنصيب من يمثل ناقص الأهلية أو عديمها حتى يتسنى توجيه اجراءات التنفيذ ضده. فتكون مهمة ذلك الوصي أو القيم الذى تعينه المحكمة محدودة بتمثيل القاصر في اجراءات التنفيذ التي تتخذ ضده أي أنه يكون بمثابة وصى خاص أو قيم خاص معين لأغراض التنفيذ.
كذلك إذا زالت صفة من يمثل ناقص الأهلية أو عديمها، كما في حالة عزل الوصي أو القيم أو سلب الولاية، وجب اتخاذ الاجراءات ضد ممثله الجديد.
فإن زالت صفة نائب القاصر ولم يعين بدله، كما لو مات الوصي، ولم يهتم أحد بتنصيب وصى آخر، فمن حق طالب التنفيذ أن يطلب تعيين وصى لأغراض التنفيذ، طبقاً لما رأينا في الحالة السابقة.
وإذا كان الوصي نفسه هو الذى يرغب في التنفيذ ضد القاصر: فإنه يجب عليه اما أن يعتزل الوصاية ويطلب من المحكمة تعيين وصى بدله، أو بالأقل أن يطلب من المحكمة تعيين وصى خصومه، ليتخذ ضده اجراءات التنفيذ.
وما يصدق على الوصي يصدق على القيم إذا أراد اتخاذ اجراءات تنفيذية أو تحفظية ضد محجوره.
فلا يجوز لممثل القاصر أو عديم الأهلية أن يتخذ الاجراءات باسمه ولصالحه، شخصياً، ضد نفسه بصفته ممثلا لناقص الأهلية أو عديمها، لأن اختلاف الصفة هنا لا ينفى أن تعارض المصلحة كاف لإبطال الاجراءات، إذ لا يجوز أن يتعاقد الشخص مع نفسه أو أن يتقاضى مع نفسه، والتنفيذ فرع من التقاضي، وهو في جوهره خصومة، لما للمدين المنفذ ضده من الحق في الاعتراض على التنفيذ.
واجب الوصي: وإذا كان اختصام ممثل القاصر ومن في حكمه لازما لصحة الاجراءات فان واجب الوصي والقيم أو يذود عن مصالح القاصر وحقوقه بفحص أوراق التنفيذ والتمسك بما قد يكون في الاجراءات من عيوب لإبطالها. بحيث يعتبر مسئولا إذا كانت تلك العيوب ظاهرة ولم يتمسك بها. فدور الوصي أو القيم في التنفيذ ليس مجرد تمثيل القاصر بصورة سلبية. أي تلقى الأوراق والاعلانات والمثول في الاجراءات، وانما هو مكلف بحكم ولايته على القاصر أن يحافظ على أمواله، وان يتصرف في كل ما يتعلق بالتنفيذ كما لو كان واقعا على أمواله، أو بالكيفية التي يتصور أن القاصر كان يتصرف بها لو كان بالغا رشيدا يباشر أموره بنفسه، كل ذلك مع مراعاة معيار السلوك المألوف للرجل العادي والأحكام الخاصة بالولاية.
وقد ورد في قانون الولاية على المال ما يوجب على الأوصياء ومن في حكمهم أن يعرضوا على المحكمة ما يتخذ ضد القصر من اجراءات التنفيذ وان يتبعوا في شأنها ما تأمر به المحكمة([8]).
وظاهر مما تقدم أن الاجراءات التي تتخذ ضد ناقص الأهلية أو عديمها دون ممثله القانوني تكون باطلة، ولا يترتب عليها أي أثر، فلا تصلح حتى لمجرد قطع التقادم.
ولا يمكن أن يقال أن القاصر إذا وجهت اليه اجراءات التنفيذ ولم يعترض عليها لا هو ولا من يمثله فإنها تكون صحيحة ابتداء ولا تبطل الا إذا تمسك القاصر بعد ذلك ببطلانها، قياسا على حالة العقود التي يبرمها القاصر.
ذلك بأن الأمر في العقود مرده إلى اراده القاصر وهى رغم كونها ارادة ناقصة الا أنها تكفى لإقامة العقد ابتداء إلى أن يطعن عليه بالبطلان، اما اجراءات التنفيذ فلا دخل فيها لإرادة القاصر. ولا يمكن أن يقال أن عدم اعتراض القاصر عليها يعد رضاء منه بها. بل أن من حق المحكمة أن تقضى ببطلان ما يعرض عليها من اجراءات التنفيذ إذا ما تبين لها نقص أهلية من يجرى التنفيذ ضده، ولو لم يتمسك بذلك أحد، لأن الأمر هنا يتعلق بمركز قانونيا.

طوارئ التنفيذ المتعلقة بالمدين:
وقد يطرأ على المدين ما يؤثر على اجراءات التنفيذ وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما يتصل من تلك الطوارئ بمسألة الأهلية، فلو حجر على المدين مثلا أو حكم عليه بعقوبة جناية أثناء سير الاجراءات فانه يجب توجيه الاجراءات إلى القيم الذى عينته أو الذى تعينه المحكمة المختصة، ولا تبطل الاجراءات التي سبق اتخاذها قبل وقوع ذلك الحادث الطارئ وكل ما هناك أن الدائن يتابع اجراءاته في مواجهة القيم.
وغنى عن البيان أنه إذا كان ذلك الحادث قد وقع قبل التنفيذ أو كان من يجرى التنفيذ ضده من الأصل قاصرا فان اجراءات التنفيذ تتخذ منذ البداية ضد القيم أو الوصي أو الولي إذ لا يشترط فيمن يجرى التنفيذ ضده أن يكون متمتعاً بالأهلية الكاملة وانما يلزم فقط لصحة الاجراءات أن تتخذ ضد من ينوب عنه قانوناً، كما ذكرنا.
أما إذا أصيب المدين بالجنون مثلا ولم يحجر عليه، أو حكم عليه بعقوبة جناية ولم تعين محكمة الجنايات فيما عليه، فان من حق الدائن في مثل هذه الأحوال، على ما أشرنا، أن يطلب من المحكمة المختصة – وهى دائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة التي يتبعها المدين – أن تعين قيما خاصا لاتخاذ اجراءات التنفيذ في مواجهته([9]).
ولعل أهم طوارئ التنفيذ المتعلقة بالمدين، والتي تقتضى بيانا لأحكامها الخاصة، هى حالة وفاة المدين وحالة افلاسه، ولذلك نعرض لهما فيما يلى بشيء من التفصيل.

أولاً- أثر وفاة المدين في التنفيذ:
أما أثر وفاة المدين في التنفيذ، فيجب أن نفرق بين فرضين:
أولهما: أن تكون وفاة المدين حاصلة قبل البدء في التنفيذ.
وثانيهما – أن تكون الوفاة حاصلة بعد البدء في التنفيذ.
أما عن الفرض الأول: وهو وفاة المدين قبل البدء في التنفيذ – أي قبل ايقاع الحجز على المنقول، أو قبل اعلان تنبيه نزع الملكية في التنفيذ العقاري أو قبل إعلان ورقة الحجز للمحجوز لديه، في حجز ما للمدين لدى الغير – فان حكم القانون في هذه الحالة مقرر بنص الماد (284) مرافعات جديد ومؤداه أن التنفيذ ضد الورثة لا يجوز الا بعد مضى ثمانية أيام على اعلان هؤلاء الورثة بالسند التنفيذي.
وما يسرى على الوفاة يسرى على فقد المدين لأهليته أو زوال صفة من يباشر الاجراءات بالنيابة عنه، وقد نصت على ذلك المادة 284 من القانون الجديد.
والنص يستلزم اعلان الورثة بالسند التنفيذي وهو ما يفهم منه أنه يجب اعلان السند للورثة حتى ولو كان قد سبق اعلانه للمورث. والحكمة من ذلك أن الورثة قد لا يكونون على بينة من أمر السند التنفيذي لأن مورثهم لم يطلعهم عليه أو لأى سبب آخر، ولعلهم يبادرون إلى تنفيذه طواعية لو علموا به ليتجنبوا نفقات التنفيذ الجبري ومضايقاته.
ولذلك أوجب المشرع على طالب التنفيذ أن يعلنهم بذلك السند من جديد حتى لو كان قد أعلنه للمورث من قبل، فإذا كان لم يسبق له اعلان السند للمورث فلا شك أن اعلانه للورثة يكون أوجب وألزم، خاصة وان القواعد العامة توجب على الدائن قبل أن يشرع في التنفيذ إعلان سنده لمن يريد التنفيذ ضده (مادة 281 جديد) فيكون قيامه بإعلان السند للورثة في هذه الحالة مجرد تطبيق للقواعد العامة.
وفى هذا ما يدل على أن المادة (284) حين تنص على وجوب إعلان الورثة بسند التنفيذ انما تقصد بالذات حالة السند السابق اعلانه للمورث، إذ أن حالة عدم اعلان السند للمورث لا تحتاج إلى نص خاص، وكان يكفى في شأنها تطبيق القواعد العامة.
على أنه يجوز أن يتم اعلان السند التنفيذي إلى الورثة جملة دون بيان أسمائهم وصفاتهم وذلك في آخر موطن كان لمورثهم، بشرط ألا تكن قد مضت على الوفاة ثلاثة أشهر (الفقرة 2 من المادة 284).
أما إذا انقضت على الوفاة ثلاثة أشهر فإنه يلزم اعلان السند التنفيذي لكل من هؤلاء الورثة باسمه وفى موطنه، ومع مراعاة أنه إذا كان بين أولئك الورثة قصر فإن الإعلان يتم إلى وصية أو وليه وفى موطن ذلك الوصي أو الوى، الذى يعتبر موطنا للقاصر بحكم القانون (مادة 42/1 مدنى).
ويجب أن ينتظر الدائن ثمانية أيام على الأقل بعد الاعلان لا يشرع خلالها في اتخاذ أية اجراءات تنفيذية. والحكمة من ذلك ترك مهلة للورثة يدبرون فيها المبلغ اللازم أو يقررون ما ينبغي في صدد التنفيذ.
وإذا تعدد المعلن اليهم يبدأ الميعاد من تاريخ أخر اعلان.
ولكن من حق الدائن – إذا شاء – أن ينتظر مدة أطول، لأن الثمانية أيام هى حد أدنى ولكن لم يوجب المشرع اتخاذ الاجراءات بعد انتهائه مباشرة. ولذلك فان الدائن قد يرى من مصلحته ألا يقوم بالتنفيذ على أثر اعلان السند للورثة لاحتمال أن يكون ذلك الاعلان قد نبههم إلى أمر كانوا عنه غافلين، فبادروا بتهريب الأموال التي يخشون من التنفيذ عليها، فيؤثر الدائن الانتظار والتربص حتى يفاجئ الورثة فيما بعد بالتنفيذ عليهم بعد أن تكون نفوسهم قد هدأت وزال أثر الاعلان من أذهانهم وأظهروا ما أخفوه من أموال المورث.
فالممنوع إذن هو اتخاذ الاجراءات في خلال هذه الفترة التي تلى الاعلان وعدتها ثمانية أيام.

والجزاء على مخالفة حكم المادة 284 من قانون المرافعات:
هو بطلان الاجراءات إذا اتخذت دون اعلان الورثة بالسند التنفيذي ولو كان قد سبق اعلانه لمورثهم – أو إذا اتخذت الاجراءات قبل مضى ثمانية أيام على اعلان السند التنفيذي للورثة.
ولكن يجب أن يتمسك الورثة بهذا البطلان، لأن هذا البطلان مقرر لمصلحتهم، فلو واجهوا الاجراءات وردوا عليها بما يدل على أنهم اعتبروها صحيحة، أو قاموا بأي عمل أو اجراء على أساس اعتبارها صحيحة كما لو قاموا مثلا بتقديم اعتراضات على قائمة شروط البيع لم يضمنوها تمسكهم بنص المادة 284 مرافعات، فان هذا يؤدى إلى زوال البطلان وذلك تطبيقا لنص المادة 22 من قانون المرافعات الجديد التي تقرر أن البطلان يزول إذا نزل عنه من شرع لمصلحته صراحة أو ضمناً.
أما إذا تمسك الورثة بالبطلان فانه يترتب على ذلك اعادة الاجراءات على مصاريف طالب التنفيذ، أي أن مصاريف التنفيذ الباطل تحتسب على من قام بإجرائه ولا يلزم بها الورثة، ويتعين في حالة اعادة الاجراءات أن يسبق التنفيذ اعلان الورثة بالسند التنفيذي وانتظار مضى الثمانية أيام المنصوص عليه في المادة 284 وقد يترتب على بطلان الاجراءات الأولى استحالة اعادتها إذا كان قد طرأ ما يمنع من ذلك، مثل استكمال مدة التقادم أو حصول التصرف في العين للغير أو نحو ذلك.
وما يقال عن الوفاة يقال عن فقد الأهلية أو زوال الصفة فيطبق عندئذ حكم المادة 284 مرافعات.

الفرض الثاني: اما إذا كانت وفاة المدين حاصلة بعد البدء في التنفيذ فإنه لا يلزم اعلان الورثة بسند التنفيذ، إذ المفروض أن السند قد أعلن لمورثهم وأن اجراءات التنفيذ قد اتخذت ضده فعلا ولكن لم تصل إلى غايتها ولذلك فان كل ما ينبغي على الدائن طالب التنفيذ، في هذه الحالة، هو أن يتابع التنفيذ في مواجهة الورثة.
وقد خول القانون للدائن بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 284 مرافعات جديد أن يعلن الأوراق المتعلقة بالتنفيذ إلى الورثة جملة في آخر موطن كان لمورثهم بغير بيان أسمائهم وصفاتهم. وذلك بشرط أن يتم الاعلان قبل انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ وفاة المدين.
والغرض من هذا النص هو التيسير على الدائن الذى قد يجهل أسماء الورثة وعددهم ومواطنهم وقد يكونون مقيمين في مواطن متباعدة مما يشتت جهود الدائن في الاعلان. وقد قدر المشرع أن الورثة بعد الوفاة يجتمعون في آخر موطن كان للمتوفى وان الاعلان الذى يصل اليهم في ذلك الموطن في تلك الفترة لابد أن يقرع أسماعهم ويتصل به علمهم جميعاً.
أما بعد فوات الثلاثة شهور فالمفروض في تقديم المشرع أن الورثة قد انفرط عقدهم وتفرقوا وغادر كل منهم موطن المتوفى إلى موطنه الخاص، ولذلك يجب في هذه الحالة توجيه اعلان فردى لكل منهم في موطنه. ولا يغنى اعلان بعضهم عن اعلان سواء.

أثر تطبيق نظام التصفية على التركة بعد وفاة المدين:
وثمة تفرقة أخرى، في شأن وفاة الدين وأثرها في التنفيذ، ينبغي أن نشير اليها، نظرا لما قرره المشرع في القانون المدني بشأن التركات التي توضع تحت التصفية، فان كل ما تقدم من اجراءات انما يكون في حالة وفاة المدين وحلول ورثته محله في السيطرة على الأموال المخلفة عنه طبقا لنظام الميراث أي في الأحوال العادية التي لا يتقرر فيها تعيين مصف التركة.
الا أن الحال تختلف إذا ما طبق على التركة نظام التصفية وفقا للمواد 875 وما بعدها من القانون المدني – إذ من المقرر في هذه الحالة أنه لا يجوز من وقت قيد الأمر الصادر بتعيين المصفى أن يتخذ الدائنون أي اجراء على التركة، كما لا يجوز لهم أن يستمروا في أي اجراء اتخذوه الا في مواجهة المصفى (مادة 883 مدنى).
وهنا يجب أن نفرق بالنسبة للتنفيذ ضد الورثة بعد وفاة المدين بين حالتين: أولاهما حالة وضع التركة تحت التصفية فتتبع في هذا الشأن أحكام القانون المدني الخاصة بتسوية ديون التركة ووفاء التزاماتها ولا يجوز اتخاذ أي اجراء الا في مواجهة المصفى، فأي اجراء يتخذ ضد الورثة وحدهم دون اختصام المصفى يكون باطلاً – والحالة الثانية هى حالة التركات التي لا يطبق عليها نظام التصفية فتتبع في شأنها القواعد العامة.
وقد نصت المادة 914 مدنى تحت عنوان "أحكام التركات التي لم تصف" على أنه "إذا لم تكن التركة قد صفيت وفقا لأحكام النصوص السابقة جاز لدائني التركة العاديين أن ينفذوا بحقوقهم على عقارات التركة التي حصل التصرف فيها أو التي رتبت عليها حقوق عينية لصالح الغير إذا أشروا بديونهم وفقا لأحكام القانون".

هل يكتفى باختصام بعض الورثة:
ويبقى أن نتساءل عما إذا كان يجوز اتخاذ اجراءات التنفيذ ضد بعض الورثة أو ضد واحد منهم دون اختصام الباقين على أساس أن الوارث ينتصب خصما على التركة فلا يلزم اذن اختصام جميع الورثة في اجراءات التنفيذ.
هذه المسألة غامضة في الفقه والقضاء، ويرجع ذلك إلى ثمة قاعدة شرعية تقضى بأن الوارث ينتصب خصما عن باقي الورثة امام القضاء. وقد عرض أمر هذه القاعدة الشرعية على محكمة النقض فلم تحسمه بل قامت مرة في حكم لها([10]) أن هذه القاعدة "قد" تكون صحيحة ممكنا الاخذ بها لو أن الوارث كان قد خاصم أو خوصم طالبا الحكم للتركة نفسها بكل حقها أو مطلوبا في مواجهته الحكم على التركة نفسها بكل ما عليها، أما إذا كانت دعوى الوارث تهدف إلى تبرئة ذمته من نصيبه من الدين فانه لا يكون نائبا شرعيا من عموم التركة لأنه يعمل لنفسه ولمصلحته الشخصية في حدود نصيبه، ثم قالت في حكم آخر([11]) أو الوارث الذى لم يظهر في الخصومة يعتبر ممثلا فيها عن طريق نيابة الوارث الاخر أو بعبارة أدق عن طريق المورث الذى تلقى الحق عنه الا أنه مع ذلك لا يعتبر محكوما عليه مباشرة بل يكون من الغير.
والواقع أننا يجب أن نواجه هذه المسألة ونعالجها على نحو واضح.
ونحن نرى أن اختصام أحد الورثة قد يكن مثابة وذريعة للتواطؤ، وان القول بتمثيل الوارث لباقي الورثة انما يحص بالنسبة لما ينفع لا بالنسبة لما يضر، ومن ثم فانه يجوز لأحد الورثة أن ينفذ بحق التركة على الغير، أو أن يحصل على حكم لصالح التركة ضد الغير. ولكن لا يجوز أن يكون الحكم الصادر ضد أحد الورثة أو بعض الورثة حجة على الباقين كما لا يجوز أن يجرى التنفيذ ضد بعض الورثة أو ضد واحد منهم لأن ذلك أمر ضار فلا ينبغي الاكتفاء فيه اختصام وارث دون آخر. بل لابد من اختصام الورثة جميعا([12])، وآية ذلك ما نصت عليه المادة 463 من أن اعلان أوراق التنفيذ يتم للورثة جملة في خلال الثلاثة شهور التالية للوفاة، ومفهوم ذلك أنه بعد انقضاء هذه الفترة يجب اعلان كل من الورثة على انفراد، وهو ما يستفاد منه أنه يجب توجيه اعلان خاص لكل واحد من الورثة. وأنه لا يكفى اعلان البعض منهم دون البعض الآخر بأوراق التنفيذ.

ثانياً- أثر افلاس المدين في التنفيذ:
ومن طوارئ التنفيذ المتعلقة بالمدين، صدور حكم بإشهار افلاسه([13]) ومن المقرر في نظام الافلاس أنه يؤدى إلى ايقاف الاجراءات الفردية.
ولذلك لا يجوز للدائن بعد شهر الافلاس توقيع أي حجز على أموال المدين، سواء في ذلك أن يكون الحجز تحفظيا أو تنفيذا، وأيا كان نوع الحجز، أي سواء أكان حجزا على عقار أو منقول أو على ما للمدين لدى الغير.
وقد ينبغي في هذا الشأن أن نفرق اولاً ما بين التنفيذ على العقار والتنفيذ على غير العقار.
أما بالنسبة للتنفيذ على العقار، فان ما يفهم من مجموع النصوص الواردة في قانون التجارة المصري يتلخص في أنه يجب التمييز بين موقف الدائنين العاديين وموقف الدائنين المرتهنين، ومن في حكمهم. أي أصحاب حقوق الاختصاص، وحقوق الامتياز الخاصة.
فأهل هذه الطائفة الأخيرة قد تحصنوا سلفا ضد الافلاس بتأمين خاص فلا فائدة من منعهم من التنفيذ، لأن لهم أولوية على الثمن. ولذلك كان من حقهم اتخاذ اجراءات التنفيذ على العقار المرهون أو العقار الذى ينصب عليه الاختصاص أو حق الامتياز الخاص – سواء في ذلك أن يستمروا في اجراءات كانوا قد بذءوها قبل شهر الافلاس أو أن يبدؤوا اجراءات التنفيذ بعد حكم الافلاس، وغاية ما هنالك أنهم يجب أن يوجهوا الاجراءات ضد السنديك لأن المفلس قد زالت ولايته عن أمواله، وأصبح السنديك هو صاحب الصفة في تمثيله قانونا.
ولكن يراعى أنه عند تحقيق حالة الاتحاد يكون بيع عقارات المفلس من حق السنديك وحده (مادة 374 تجارى).
أما أهل الطائفة الأولى أي الدائنون العاديون فلا يملكون أن يبدؤوا اجراءات التنفيذ العقاري بعد حكم شهر الافلاس إذا كانوا لم يبدؤوها قبل ذلك.
وانما يخولهم القانون الحق في أن يتابعوا تلك الاجراءات إذا كانوا قد بدأوها قبل حكم شهر الافلاس، بشرط الحصول على اذن من مأمور التفليسة بالاستمرار في الاجراءات.
أي أن صدور حكم الافلاس لا يحول دون المضي في اجراءات سبق اتخاذها بمعرفة دائن عادى، بل يستمر الدائن العادي في التنفيذ، ولا يحل السنديك محله في مباشرة الاجراءات، الا أنه يلزم أن يحصل الدائن على اذن من القاضي مأمور التفليسة بالاستمرار في التنفيذ.
وتوجه الاجراءات عندئذ إلى السنديك. غير أن البيع يتم لحساب جماعة الدائنين بمعنى أن ثمن العقار يدخل في روكية التفليسة وغاية ما هنالك أن الدائن الحاجز يستوفى بداءة وبالأولية من ثمن العقار قيمة ما أنفقه على التنفيذ من مصاريف.
وأما بالنسبة لحجز المنقول وحجز ما للمدين لدى الغير فمن المسلم به أنه لا يجوز لأى دائن أن يبدأ بعد الافلاس في اتخاذ اجراءاتها لأن الافلاس نظام جماعي للتنفيذ يحل محل الاجراءات الفردية.
وان كانت اجراءات الحجز قد اتخذت قبل صدور حكم شهر الافلاس فأنها تتوقف وتعتبر كأن لم تكن، إذ أن حق الدائن في اقتضاء دينه يذوب في التفليسة، ويتعين عليه أن يتزاحم فيها مع سواه من الدائنين على قدم المساواة.
الا أنه يراعى في هذا الشأن أنه يجوز للدائن الذى له رهن على منقول أن يتخذ اجراءات التنفيذ على هذا المنقول في أي وقت، ولو بعد شهر الافلاس (المادة 352 تجارى) كما أنه بالنسبة لحجز ما للمدين لدى الغير يكون من حق الدائن الحاجز أن يستمر في اجراءاته إذا كان قد تم قبل شهر الافلاس ايداع وتخصيص مبلغ لذمته (طبقا للمادة 302 أو 303 مرافعات) أو إذا كان قبل الافلاس قد تخصص بالمبلغ المحجوز (وفقاً لنص المادة 344 مرافعات) أو إذا كان قبل الافلاس قد أصبح دائناً مباشرا للمحجوز لديه طبقا للمادة (346) مرافعات.

3) الدولة كطرف في التنفيذ:
توجد قاعة أساسية في كل مجتمع منظم تقضى بأنه لا يجوزان يقضى المرء حقه بيده. وهذه القاعدة تلزم كل صاحب حق بأن يلجأ إلى الدولة لكى تقتضى له حقه من خصمه.
فهو (أولاً) لا ينتصب لنفسه بل يجب أن يعرض على القضاء خصومته ليحصل على حكم بفض المنازعة ويقرر حقه ويلزم غريمه بأداء ذلك الحق اليه.
وهو (ثانيا) لا ينفذ ذلك الحكم بنفسه مباشرة بل بواسطة عمال التنفيذ المكلفين بذلك من قبل الدولة.
فالمرء اذن لابد أن يلجأ إلى الدولة في مرحلة التقاضي وفى مرحلة التنفيذ، ولئن جاز في مرحلة التقاضي الاحتكام إلى أي فرد عادى، والتجاوز بذلك عن الالتجاء إلى المحاكم، الا أنه في مرحلة التنفيذ لا يجوز مطلقا التغاضي عن الالتجاء إلى السلطة العامة، والاستعاضة عن رجالها بقوم آخرين، الا إذا تم التنفيذ اختيارياً.
وفى مرحلة التقاضي، نجد أن الذى يقوم بمهمة الفصل في الخصومات هو السلطة القضائية. وهى احدى سلطات الدول الثلاث. ولها استقلالها وحصانتها وضماناتها.
أما في مرحلة التنفيذ، فان الذى يقوم باقتضاء الحق لصاحبه من خصومه، هو السلطة التنفيذية، لأن الحق قد تقرر، والنزاع قد انتهى، فلم يبق الا القيام بالأعمال المادية التي تؤدى إلى اقتضاء الحق لصاحبه عمليا، وهذه المهمة تنفيذية محضة فلا مناص من اسنادها إلى السلطة التنفيذية.
الا أنه نظرا لأن مرحلة التنفيذ هى التكملة الضرورية لمرحلة التقاضي وتعتبر امتدادا لها أو فرعا منها – فان الذهن يتجه بالضرورة إلى جعل هذه المهمة خاضعة لإشراف القضاء ورقابته. هذا بالإضافة إلى أن اجراءات التنفيذ قد تثير منازعات يقتضى الأمر عرضها على القضاء لفضها. فمرحلة التنفيذ اذن ليست منفصلة تماما عن مرحلة التقاضي السابقة عليها بل أن المدعى لا يعتبر نفسه قد ظفر بحقه أو انتصر بمجرد حصوله على حكم لصالحه وانما يتحقق ذلك في نظره عندما يتم تنفيذ الحكم.
فالتنفيذ إذن مرحلة – وان كانت لاحقة لمرحلة التقاضي الا أنها مكملة لها ومتصلة بها بالضرورة.
ولهذا فكر البعض في اسناد أعمال التنفيذ إلى القضاة أنفسهم على اعتبار أن التنفيذ عمل قضائي، أو يوصف بأنه (تنفيذ قضائي) – ولكن هذه فكرة خاطئة لأنها تصطدم بطبيعة العمل نفسه([14]) فالتنفيذ علم ادارى. قد يثير منازعات قضائية ولكن ذلك لا ينفى عنه الصفة التنفيذية. وكل مهمة القضاء تنحصر في تصفية تلك المنازعات التي تعترضه ا في تقدير مشروعية الاجراءات المتخذة في شأنه ومدى مطابقتها للقانون.
ومهما يكن من أمر، فإننا نخلص مما تقدم إلى أن الدولة تعتبر طرفا ضروريا في التنفيذ بحكم القواعد الأساسية في تنظيم المجتمع، والتي تفرض على كل ذي حق أن يلجأ إلى الدولة لتقتضي له حقه بواسطة جهاز من أجهزتها تخصصه لهذا الغرض أو بعبارة أخرى بواسطة عمال التنفيذ الذين تسند الدولة اليهم هذه المهمة.
وفى هذا المقام يتردد الفكر ما بين نظامين، لكل منهما مزاياه:
(أولهما) هو نظام المحضرين وهو النظام الذى كان معمولا به وحده في ظل قانون المرافعات السابق ولا يزال معمولا به إلى الآن في ظل قانون المرافعات الجديد – إلى جانب نظام قاضى التنفيذ.
(وثانيهما) هو نظام قضاة التنفيذ، وهو نظام معمول به من قديم في العراق وفى سوريا وفى لبنان.
وقد أخذ به قانون المرافعات المصري الجديد، واتضح أيضاً أنه كان معروفا في بعض الدول الأوروبية – كإيطاليا – وقد اتبعته فرنسا أخيراً.

نـظـــام الـمحضريــن:
المحضر موظف ادارى تابع للسلطة التنفيذية وإن كان معتبراً من أعوان القضاء نظرا لارتباط عمله بإجراءات التقاضي واجراءات التنفيذ مما يقتضى اعتباره موظفا من موظفي المحكمة وتخصيص مكان في المحكمة ليكون مقرا له، واعتباره خاضعا أو تابعا لوزارة العدل، غير أن ذلك كله لا ينفى أنه عضو سلطة تنفيذية وليس عضو سلطة قضائية.

وينقسم المحضرون في المحاكم إلى قسمين:
محضر إعلان وهو الذى يقوم بإعلان الأوراق القضائية أي صحف الدعاوى والانذارات والأحكام وصحف الطعون وعلى الجملة كل ما يقتضى الأمر اعلانه على يد محضر.
محضر تنفيذ:
وهو الذى يقوم باتخاذ اجراءات التنفيذ من حجز أو بيع، أو اعلان للأوراق المتعلقة بالحجز والبيع، وغير ذلك مما يستلزمه التنفيذ.
وتقسيم العلم الإداري على هذا النحو هو تنظيم داخلي للعمل بين المحضرين في المحاكم ولكن ليس ثمة ما يمنع من أن يقوم حضر بعمل من أعمال التنفيذ مع أنه مكلف أصلا بالإعلان (أو العكس) – أو أن يجمع بين الاعلان والتنفيذ، ولا يؤدى ذلك بطبيعة الحال إلى أي بطلان.
وحيث يوجد محضرون فان التنفيذ يتم عادة بمعرفتهم، فهم عمال التنفيذ الذين يمثلون السلطة العامة في القيام بالإجراءات اللازمة. وذلك في أغلب الأحول لأن هناك حالات خاصة بتولي التنفيذ فيها عمال آخرون غير المحضرين ومثال ذلك قيام قلم الكتاب بالنشر عن البيع في الصحف أو بوضع الأختام أو بالجرد. وقد يشترك في التنفيذ أيضاً أشخاص آخرون كمشايخ البلاد الذين يعهد اليهم بلصق الاعلانات في بعض الأحوال. وقد يتم التنفيذ بمعرفة جهات الادارة كما في حالة تنفيذ بعض الأحكام الصادرة في مسائل الأحوال الشخصية وكما في حالة الحجز الإداري إذ يقوم به مندوبون من المصالح الحكومية التي لها الحق في الحجز الإداري كمصلحة الضرائب.
وما ذكرنا هذه الأمثلة الا لنبين أن عمال التنفيذ أو رجال التنفيذ (كما عبر عنهم المشرع في بعض النصوص) قد يكونون من غير المحضرين.
وفيما عدا تلك الحالات الخاصة التي يتولى التنفيذ فيها عمال للتنفيذ من غير المحضرين، فان التنفيذ يتم بمعرفة المحضرين. والأخذ بنظام المحضرين يقتضى الا يتقدم طالب التنفيذ بطلبه إلى السلطة القضائية بل يتقدم به مباشرة إلى المحضرين المعتبرين فرعا من السلطة التنفيذية على أساس أن التنفيذ من وظائفها وليس من وظائف القضاء.
وانما يحصل الالتجاء إلى القضاء عند قيام المنازعة في التنفيذ، فعندئذ تنشأ الخصومة التي تستلزم تدخل القضاء لحسمها.
غير أن ذلك لا ينفى أن للقضاء دورا هاما في التنفيذ وفى الاشراف على اجراءاته. فإذا امتنع المحضر عن التنفيذ كان لصاحب الحق أن يرفع أمره إلى رئيس المحكمة التابع لها المحضر ليصدر أمره إلى المحضر بإجراء التنفيذ إذا وجد أن امتناعه لا مبرر له (تراجع المادة 279 من قانون المرافعات الجديد والمادة 458 من القانون السابق).
على أن الاشراف القضائي يتحقق بلا جدال عندما تثور أية منازعة في التنفيذ من حيث جوازه أو عدم جوازه ومن حيث صحة الاجراءات أو بطلانها – فان تلك المنازعات ترفع إلى القضاء وتعتبر دعوى متعلقة بالتنفيذ وتنتهى بحكم بصدره القضاء لفض المنازعة.
كما أن القضاء قد يتدخل في أعمال التنفيذ ذاتها ويتولاها بنفسه في بعض الحالات الهامة التي يكون لها شأن وخطر كما في حالة بيع العقار بالمزاد فان القاضي هو الذى يجرى المزايدة ويعتمد العطاء ويحكم بإيقاع البيع (مادة 435 و 459 و 440 من القانون الجديد، وانظر المادة 662 من قانون المرافعات السابق).
كل ذلك مع وجود نظام المحضرين، ومع ملاحظة أن الالتجاء اليهم ضروري في كل تنفيذ سواء أكان بطريق الحجز أم بطريق التنفيذ العيني.

كيفية قيام المحضر بالتنفيذ العيني:
غير أن المشرع لم يعن ببيان ما يقوم به المحضرون من اجراءات التنفيذ الا بالنسبة لما يتم منه بطريق الحجز. أما التنفيذ العيني أو المباشر كما في حالة الطرد ا الازالة أو الغلق، فلا يتضمن القانون المصري نصوصا لتنظيم الاجراءات في هذه الحالات مع أن ثمة من الفروض ما يثير التساؤل، كما لو صدر الحكم بإجراء عمل مادى كترميمات أو اصلاحات أو هدم أو ردم، فهل جيب في هذه الحالة الالتجاء إلى المحضرين لتنفيذ هذه الأحكام؟
لا نرى في ذلك شكا – لا في ظل القانون الجديد ولا في ظل القانون القديم (يراجع نص المادة السادسة والمادة 279 من قانون المرافعات الجديد – ونص المادة السابعة من القانون السابق) فكل تنفيذ انما يكون بواسطة المحضرين، ما لم يوجد نص استثنائي يقرر خلاف ذلك.
وانما يثور التساؤل عن الكيفية التي يتبعها المحضر في تنفيذ مثل هذه الأحكام لأن المشرع المصري لم يبين الخطوات أو الاجراءات التي يجب على المحضر اتباعها في هذا السبيل([15]) وحتى قانون المرافعات قد جاء خلوا من مثل هذه النصوص([16]).
ونرى أن التنفيذ يمكن أن يتمم في هذه الأحوال عن طريق اجراء مناقصة بين التجار أو المقاولين، فكما أن المحضر يجرى بيع المنقولات المحجوزة عن طريق المزايدة، فإنه هنا يستطيع أن يجرى شراء الأشياء المطلوبة بالطريق العكسي، أي طريق المناقصة، وكذلك الأمر بالنسبة لإجراء الأعمال المطلوبة من ترميمات أو اصلاحات أو انشاءات أو هدم أو غير ذلك مما قد يقضى به الحكم، فان المحضر يجرى عندئذ مناقصة علنية ويحرر بذلك محضرا يثبت فيه ما فعل، وقد يستعين بخبير لتقدير قيمة الأشياء أو الأعمال المطلوبة، أو لمراقبة أو مباشرة هذا التنفيذ العيني. وكل هذه أمور يمكن أن تتم بمنتهى السرعة إذا خلصن النوايا وكان القضاء رقيبا. ونرى أن للمحضر إذا احتاج الأمر – بل وعليه أن يرجع إلى القاضي المختص في المحكمة التي يتبعها، ليستأذن في ذلك، أو يطلب الدائن الالتجاء إلى ذلك القاضي لاستئذانه في ندب خبير لهذا الغرض([17]) يدفع له طالب التنفيذ الأجر الذى يقدره القاضي، ثم يرجع به على المدين في النهاية.
أما قيام الدائن بتنفيذ تلك الأحكام دون الالتجاء إلى المحضرين فلا يجوز ولا يعد تنفيذا صحيحا من الناحية القانونية. إذ لا يجوز للمرء أن يقتضى حقه لنفسه بيده([18]) ويحق للمدين في هذه الحالة أن يتمسك ببطلان هذا التنفيذ.
ولما كان لا يوجد تنظيم تشريعي لإجراءات وخطوات التنفيذ في مثل هذه الأحوال فلا مناص من ترك الأمر لتقدير المحضر، ليتصرف حسب ظروف كل تنفيذ فقد يرى أن يجرى التنفيذ عن طريق مناقصة بين المقاولين يعلن عنها في الصحف، فيحرر محضرا بذلك، ويقوم بعد ذلك بالنشر والاعلان، ثم يجرى المناقصة علنا في الموعد المحدد لها، أما إذا كان التنفيذ مما يستدعى العجلة فإنه قد يجرى المناقصة بين جملة مقاولين يستدعيهم لهذا الغرض، أو يعهد بالعمل إلى مقاول يختاره لذلك وبطريق الممارسة، على أن يعلن المدين، في جميع الأحوال بهذه الاجراءات حتى يتمكن من الاعتراض عليها إذا كان ثمة وجه للاعتراض.
ومن المستحسن دائما أن يسترشد المحضر في ذلك برأي القاضي المختص في المحكمة التي يتبعها، خصوصا بعد ادخال نظام قاضى التنفيذ.
وإذا لم يرق تصرف المحضر لطالب التنفيذ فإن في ويسعه أن يرفع الأمر للقاضي المذكور ليقرر ما يلزم اتخاذه من اجراءات.
كذلك إذا احتاج الأمر لتشغيل بعض العمال لتنفيذ الحكم، كما لو كان حكما صادراً بإزالة بناء، فان المحضر يستطيع أن يلجأ إلى مقاول يقوم بهذا العمل أو يقدم العمال اللازمين، وقد يتم الالتجاء إلى المقاول بطريق المناقصة أو بطريق الممارسة، وذلك حسب أهمية كل حالة وظروفها ودواعي العجلة فيها، وقد يقوم المحضر بنفسه بإحضار العمال والاتفاق معهم على الأجر وصرفه لهم([19]).
ونرى مما تقدم على كل حال أن تشريعنا ناقص من هذه الوجهة. ويا حبذا لو عمد المشرع إلى سد الثغرة بتنظيم اجراءات التنفيذ العيني في مثل هذه الأحوال مستهديا في ذلك بالقانون الألماني والإيطالي والليبي، ونحن نقترح في هذا الشأن اتباع طريق المناقصة العلنية حيث ينبغي ذلك على ما سبق ايضاحه، ما لم يأذن قاضى التنفيذ باختيار من يلزم لإجراء العمل اما لأن التنفيذ أهون من أن يحتمل كل تلك الاجراءات، واما لدواعي العجلة فيه.
وإذا رأى طال بالتنفيذ أو المطلوب التنفيذ ضده أن يرفع الأمر إلى القضاء على صورة اشكال في التنفيذ فعندئذ يتبع ما يحكم به القاضي المختص.
وقد يكون في نظام قاضى التنفيذ ما يؤدى إلى التيسير في هذه المسائل إذ يتبع المحضر في ظل هذا النظام ما يأمر به قاضى التنفيذ طبقا لظروف كل حالة، على أننا لا نرى بأسا، حتى مع وجود نظام قاضى التنفيذ، من وضع ضوابط تشريعية، يتم في حدودها التقدير الذى يراه القاضي كأن يتقرر مثلا اتباع نظام المناقصة العلنية – الذى نقترحه، وذلك على الأقل في حالات التنفيذ الهامة، أو عندما تبلغ قيمة النفقات المتوقعة التي يتطلبها التنفيذ حدا من الجسامة يقتضى ذلك([20]).
والذى يخلص لنا مما قدمناه على كل حال – هو أن كيفية التنفيذ ونقص التشريع في هذا المقام بالنسبة للتنفيذ العيني، وعدم وجود اجراءات محددة في هذا الشأن، كل ذلك لا ينفى أن التنفيذ في هذه الأحوال يجب أن يتم عن طريق المحضرين، وبعد اعلان المدين بالسند التنفيذي كما أنه يجب أيضاً أن يحرر المحضر محضرا بالخطوات التي يتبعها في هذا السبيل، ويعلن به المدين، ليكون على بينة مما يجرى ضده إذ الأصل في الاجراءات المجابهة والمواجهة ليتسنى الاعتراض لمن يشاء أن يعترض.
والغموض الملحوظ في هذه المسائل لا يبرر – من جهة – قيام الدائن باقتضاء الحق لنفسه بيده، كما يمكن – من جهة أخرى – التغلب عليه بالرجوع إلى قاضى التنفيذ، ونتبين من ذلك حكمة اعلان المدين بالإجراءات التي يزمع الدائن أو المحضر اتخاذها، إذ أن ذلك قد يؤدى إلى قيام المدين برفع اشكال إلى قاضى التنفيذ الذى يبدد – بحكمه في الاشكال ما قد يشوب التنفيذ من غموض أو حيرة، ويمنع كل تواطؤ أكيد.

التنظيم القانوني لعمل المحضرين:
والأصل أن المحضر ملتزم بإجراء التنفيذ، فلا يجوز له أن يمتنع عنه متى طلب منه، وإذا امتنع جاز لطالب التنفيذ أن يرفع أمره إلى قاضى التنفيذ عن طريق تقديم عريضة بذلك اليه (المادة 279 مرافعات جديد).
والقانون يحمى المحضر في عمله، إذ يقرر في المادة 279 (الفقرة الثالثة) مرافعات جديد أنه إذا لقى المحضر مقاومة أو تعديا، وجب عليه أن يتخذ جميع الوسائل التحفظية لمنع الاختلاس. وأن يطلب معونة القوة العامة والسلطة المحلية.
وبذلك أوجد المشرع للمحضر ضمانة كافية للقيام بعمله إذ أنه يستطيع أن يطلب معونة رجال الضبط والقوات العسكرية عند الاقتضاء لاستخدام القوة في التنفيذ.
وبذلك لا يكون هناك مبرر لامتناع المحضر عن التنفيذ مادام يجد له ظهيرا من القوة العامة إلا إذا كان المحضر يرى أن الحكم غامض محتاج إلى تفسير أو أن ثمة اجراءات أساسية لم يقم طالب التنفيذ باستيفائها. كما لو لم يكن الحكم مشمولا بالصيغة التنفيذية مثلا. أو أن تكون هناك اعتبارات متعلقة بالأمن العام، يقدر المحضر ازاءها عدم ملائمة التنفيذ، ويقره رؤساؤه الاداريون عليها.
والصيغة التنفيذية([21]) التي تذيل بها الأحكام "تتضمن أمرا إلى السلطات المختصة بالمعاونة على اجراء التنفيذ أي بأن يعاونوا المحضر على اجراء التنفيذ ولو باستعمال القوة الجبرية متى طلبت منهم المساعدة والمعاونة.
كما أن في قانون العقوبات نصوصا في باب مقاومة الحكام تعاقب على اهانة الموظفين العموميين أو التعدي عليهم أو مقاومتهم أثناء تأدية وظائفهم (المواد 123 عقوبات).
وهذه النصوص تسبغ على المحضرين في عملهم حماية كبرى. وبذلك يتضح أن الدائن حين يسعى إلى التنفيذ يجد الدولة كلها وراءه. تظاهره وتؤازره وتحيطه بالضمانات القوية ممثلي السلطة العامة الذين ينهضون إلى اجراء التنفيذ لصالحه بما يكفل اخضاع المدين المطلوب التنفيذ ضده مها كانت قوته إذا ما حاول المقاومة أو رفض الخضوع للتنفيذ الجبري.
والمحضر مقيد في التنفيذ بضرورة مراعاة القواعد والتزام الاجراءات المنصوص عليها في القانون، فانه يجب – مثلا – أن ينتقل إلى مكان التنفيذ، وأن يحرر محضرا بكل ما يتخذه من الاجراءات، وعليه أن يحترم المواعيد المقررة في القانون، فلا يجوز له مثلا أن يحدد لبيع المنقولات موعداً يقل عن ثمانية أيام من تاريخ اعلان محضر الحجز. ويجب أن يبين المحجوزات بالتفصيل لمنع تغييرها، كما أنه – على الجملة – ملزم بأن يحترم الأوضاع المقررة في القانون وهو أدرى الناس بها. وتكون الحكومة مسئولة عنه باعتباره من تابعيها إذا امتنع عن التنفيذ أو تأخر فيه أو أخطأ في مراعاة القواعد والاجراءات التي يجب اتباعها فيه – سواء أكان ذلك الخطأ عمديا أو راجعا إلى الاهمال.
وكون المحضر ممثلا للسلطة العامة، لا ينفى أن له صفة أخرى. وهى أنه يعتبر بمثابة وكيل عن طالب التنفيذ لأنه يقوم بالتنفيذ بناء على طلب الدائن ولحسابه. وقد كانت الماد 461 من قانون المرافعات السابق تنص على ضرورة تفويضه من قبل طالب التنفيذ في القبض واعطاء المخالصة سواء عند قيامه بإعلان السند التنفيذي، أو عند قيامه بإجراء التنفيذ، ولذلك جرت العادة عند تسليم السند التنفيذي إلى المحضر أن يقترن ذلك بتزويده بتوكيل من قبل طالب التنفيذ. ولكن المشرع في المادة (282) من قانون المرافعات الجديد استغنى عن ذلك واعتبر المحضر نائبا عن طالب التنفيذ دون حاجة إلى تفويض خاص.
ولهذا يقال أن للمحضر صفة مزدوجة: فهو ممثل للسلطة العامة من ناحية، ووكيل عن طالب التنفيذ من ناحية أخرى، ويؤدى ذلك إلى اعتبار طالب التنفيذ مسئولا عن عمل المحضر إذا أخطأ بإجراء التنفيذ على غير أساس من الحق أو في حالة لم يكن يجوز فيها ذلك، أو استمر في التنفيذ حيث كان يجب عليه التوقف عنه، أو تجاوز عن مراعاة الاجراءات التي كان ينبغي عليه التزامها في التنفيذ.
ويخلص لنا مما تقدم أن دور المحضر في التنفيذ تنظمه قواعد تستهدف من جهة حماية طالب التنفيذ من تعنت المحضر، فيما لو امتنع عن التنفيذ. كما تحمى المنفذ ضده من خطأ المحضر أو عسفه، إذ أن سلطة المحضر مقيدة بضرورة مراعاة الأوضاع والمواعيد التي حددها المشرع، كما أن تلك القواعد تكفل للمحضر نفسه حماية القانون، ودرء أي اعتداء عليه سواء من جانب طالب التنفيذ أو المطلوب التنفيذي ضده. إذ يحميه قانون العقوبات من الاهانة والتعدي والمقاومة، كما أن فيما تنطوي عليه الصيغة التنفيذية ونصوص قانون المرافعات ما يخول للمحضر سلطة الاستعانة بقوات الدولة وبالنيابة العامة، عند الاقتضاء للتغلب على ما يصادفه من عقبات في سبيل التنفيذ، وفى نصوص قانون العقوبات ما يحفظ للمحضر هيبته وكرامته.

نظام قاضى التنفيذ:
يتلخص نظام قاضى التنفيذ في تخصيص دائرة من دوائر القضاء للإشراف على التنفيذ سواء من حيث مباشرة اجراءاته منذ البداية حتى نهايتها – أو من حيث فض ما يثور من منازعات في شأن التنفيذ أثناء اجرائه أو قبل البدء فيه، كانت تلك المنازعات من جانب المدين أو من جانب الغير، أو حتى من جانب الدائن نفسه.
وقد كانت بعض القوانين العربية – كالقانون العراقي والسوري واللبناني – تأخذ منذ عهد قديم بهذا النظم وتخصص في كل محكمة دائرة قضائية للتنفيذ. وتسمى هذه الدائرة في القانون اللبناني (دائرة الاجراء) وفى كل من القانون السوري والعراقي (دائرة التنفيذ).
وقد أخذ المشرع المصري بنظام قاضى التنفيذ في قانون المرافعات الجديد الصادر سنة 1968 ولكنه احتفظ في نفس الوقت بنظام المحضرين ولذلك نجد أن المادة (274) وهى التي يبدأ بها كتاب التنفيذ في قانون المرافعات تنص على التنفيذ يجرى تحت اشراف قاضى التنفيذ بينما تنص المادة (279) – التي لا يفصل بينها وبين النص الأول سوى أربع مواد فقط – على أن التنفيذ يجرى بواسطة المحضرين.
وقد ورد في المادة (6) في صدر قانون المرافعات أن "كل إعلان أو تنفيذ يكون بواسطة المحضرين".
وقد يبدو من مقارنة هذه النصوص أنه ليس ثمة تعارض بينها من الناحية النظرية لأن التنفيذ يجرى بواسطة المحضرين ولكنه يجرى تحت اشراف قاض – فوظيفة القاضي هى الاشراف ولكن العمل يقوم به المحضر – هو أمر يتفق مع طبيعة التنفيذ ومع طبيعة عمل القاضي. غير أن الجمع بين النظامين على هذا النحو في تشريع واحد يدل على أن المشرع لم يفهم تماما طبيعة نظام قاضى التنفيذ. فقد اعتقد واضعو قانون (1968) أن الغرض من انشاء نظام قاضى التنفيذ هو مجرد اخضاع الاجراءات لرقابة القضاء – مع أن ذلك كان متحققا في ظل قانون المرافعات السابق، وان كان القانون الجديد قد حاول تقوية يد القاضي في هذا المجال.
وأذكر أن محاولة الأخذ بنظام قاضى التنفيذ في مصر ترجع إلى العهد الذى وضع فه مشروع قانون المرافعات الموحد بين مصر وسوريا – فقد اكتشف واضعو ذلك المشرع في ذلك الحين أن هذا النظام متبع في سوريا ومنصوص عليه في قانون المرافعات السوري فاقتبسوه منه ليطبق على القطرين، غير أن محاولة الأخذ بهذا النظام قد أقضت مضاجع المحضرين لأنهم ظنوا أنه سيؤدى إلى الاستغناء عنهم فبذلت محاولات من جانبهم للاعتراض على ادخال هذا النظام في مصر لأنه سيقضى على مستقبلهم وعلى أرزاقهم والتفوا في رداء بعض أعضاء اللجنة التي كانت مكلفة بتعديل قانون المرافعات فشعر الجميع بأن ثمة ضغوطا تهدف إلى وأد هذه الفكرة – مع أن نظام قاضى التنفيذ لم يكن من شأنه الاستغناء عن المحضرين بل انه بالعكس كان سيؤدى إلى الاعلاء من شأنهم لأنهم سيتحولون إلى (مأموري تنفيذ) يلحقون بدوائر التنفيذ في المحاكم ويخضعون لها من حيث التوجيه والرقابة والاشراف – وكان من الممكن اقناع المحضرين بأن الفكرة في صالحهم وليست ضدهم وأن المحضر سيصبح مأمور تنفيذ محاكيا بذلك (مأمور الضرائب) مثلا – وان ذلك سيرفع من شأنه، وقد يقترن بمنحه مزايا جديدة تتفق مع وظيفة مأمور التنفيذ.
كان من الممكن في ذلك الحين تنظيم الأمر بحيث لا يضار المحضرون العاملون – وكان من الممكن أيضاً اقناعهم بأن نظام قاضى التنفيذ لا يمس حقوقهم أو مصالحهم وأنه لا يمكن الاستغناء عنهم – ولكن الارتجال التشريعي أدى إلى التوفيق بين الاتجاهات المتعارضة بإدخال نظام اقضى التنفيذ في القانون مع الابقاء على نظام المحضرين كما هو. وقد ظن البعض أن هذا هو الحل السعيد الذى يرضى الجميع، وفاتهم، وهم في مجال التشريع هواة، أن الفن التشريعي الصحيح يأبى أنصاف الحلو لأن الأخذ بنظام معين مع ترقيعه أو تطعيمه قد يؤدى إلى افساده لأن النظام كالبنيان يشد بعضه بعضا فالعبث ببعض أركانه قد يؤدى إلى اختلال باقي الأركان.
ومهما يكن من أمر، فإن هذا هو الرأي الذى ساد في اللجنة، وقد حاولوا تبريره فقالوا في المذكرة الايضاحية أن المشروع (أي مشروع القانون الجديد) قد استحدث "نظاما خاصا لقاضى التنفيذ يلائم البيئة المصرية ونظامها القضائي.." والواقع أنه نظام خاص جداً لا يلائم الا المحضرين إذ يجعل قاضى التنفيذ في الواقع خاضعا لسيطرتهم أي انه يحقق أغراضا عكسية غير التي كان المشرع يبتغيها تماما.
ومهما يكن من أمر – فان قانون المرافعات الصادر في سنة 1968 قد استحدث نظام قاضى التنفيذ مستهدفا بذلك غرضين:
(أولهما) تقوية سلطة القضاء في الاشراف على التنفيذ.
(ثانيهما) تجميع منازعات التنفيذ في يد قاض واحد.
وقد كان المفروض أن تنشأ بكل محكمة جزئية أو كلية دائرة للتنفيذ أسوة بما هو معمول به في العراق ولبنان وسوريا ولكن رؤى (اقتصادا في النفقات) الاكتفاء بتخصيص قاض للتنفيذ في دائرة كل محكمة جزئية فقط.
ولذلك نصت المادة 274 على أن التنفيذ يجرى تحت اشراف قاضى التنفيذ "يندب في مقر كل محكمة جزئية من بين قضاة المحكمة الابتدائية". وبذلك أصبح قاضى التنفيذ قاضيا جزئيا مع أن اختصاصه شامل لجميع منازعات التنفيذ الوقتية والمستعجلة والموضوعية أيا ما كانت قيمة المنازعة حتى لو كانت تزيد على نصاب اختصاص القضاء الجزئي.
وكان هذا هو أول مظهر من مظاهر الاستثناء والشذوذ لأنه يتضمن خروجا على القواعد العامة في الاختصاص النوعي.
وكان المفروض أن يعهد بهذه المهمة – مهمة الاشراف على التنفيذ وفض منازعاته – إلى قاضى متخصص – بمعنى أن يخصص في كل محكمة جزئية قاض يتفرغ لأداء هذا العمل. ولكن عند التطبيق رؤى امعانا في الاقتصاد أن يضاف هذا العمل إلى الأعمال المعتادة للقاضي الجزئي – أو القضاة العاملين في المحكمة الجزئية – بمعنى أن القاضي الجزئي يخصص بعض وقته لنظر منازعات التنفيذ وللإشراف على اجراءات التنفيذ التي تتخذ بمعرفة المحضرين العاملين في محكمته – وذلك بالإضافة إلى عمله العادي في القضايا المدنية وقضايا الأحوال الشخصية.
وقد أدى ذلك عملا إلى أن القاضي الجزئي لم يعد لديه من الوقت ما يكفى ليخصصه لهذا العمل الجديد – بعد فراغه من نظر القضايا الأخرى – فأصبح الاشراف على التنفيذ نظريا أو على الأصح عملا روتينيا – كما أن منازعات التنفيذ لم تعد تلقى العناية التي كانت تلقاها من قبل – لا من حيث سرعة البت فيها – ولا من حيث بحثها ودراستها – بل وتولدت مشكلات ومنازعات جديدة لم يكن لها وجود من قبل – وتلقف المحضرون الزمام فأصبح التنفيذ ملك يديهم وقاضى التنفيذ الجزئي المرهق بالعمل هو المسئول عن ذلك كله في الظاهر.
وها قد تقرر أخيرا في محاكم القاهرة نقل الاختصاص بإشكالات التنفيذ إلى القاضي المستعجل كما كان الأمر قبل انشاء نظام قاضى التنفيذ، بل وبدا البعض يفكر في الغاء هذا النظام لما يثبت من فشله – وان كان ثمة من يراوده الأمل في اصلاحه، ولا يزال.

1- مظاهر الاشراف على أعمال التنفيذ:
أما الاشراف الفعال الذى استهدف المشرع توفيره للقاضي على اجراءات التنفيذ فان مظاهره تتلخص فيما يأتي:
(أولاً) يعد بالمحكمة جدول خاص تقيد فيه طلبات التنفيذ. وهذا التدبير الذى قرره المشرع في المادة (278) لا يتفق مع ما تقرره المادة (279) من أن التنفيذ يتم بمعرفة المحضرين بناء على طلب ذي الشأن متى سلمهم السند التنفيذي.
أي أنه لا يوجد في الواقع (طلب تنفيذ) يقدم إلى المحكمة حتى يعد جدول لقيده. وانما الذى يحدث أن صاحب الشأن يسلم سنده التنفيذي إلى قلم المحضرين ابتغاء تنفيذه – وقد ينشأ سجل لقيد ذلك – ولكنه لا يعدو أن يكون دفترا من دفاتر المحضرين – تقيد فيه الأوراق برقم محضرين (وهو رقم مؤقت) – ويمكن لطالب التنفيذ أن يسحب أوراقه في أي وقت وان يتقدم بها من جديد إلى قلم المحضرين بنفس المحكمة أو بأية محكمة أخرى.
(ثانياً) ينشأ لكل طلب ملف تودع به جميع الأوراق المتعلقة بهذا المطلب.
وهذا أيضاً من التدابير التي نصت عليها المادة (278) ولكن لا ضوابط له.
(ثالثاً) يعرض الملف على قاضى التنفيذ عقب كل اجراء. هذا التدبير أيضاً غير منضبط عملا وحتى لو اتبع فانه سيغدو مجرد اجراء روتيني لا قيمة له عملا، هذا بالإضافة إلى أنه لا جزاء عليه.
(رابعاً) يثبت بهذا الملف ما يصدره القاضي من قرارات وأوامر وأحكام.
وقد جاء بالمذكرة الايضاحية أن أفراد ملف لكل تنفيذ لا يتوقف على قيام نزاع بل يجب أن ينشأ الملف حتى لو سار التنفيذ سيره الطبيعي دون أن يعترضه نزاع – وأنه يجب على المحضر أن يعرض الملف على القاضي عقب كل اجراء يتخذه.
وظاهر أن الغرض من ذلك هو تحقيق رقابة القاضي على الاجراءات أولا بأول بحيث يشعر المحضر أن قاضى التنفيذ مهيمن على عمله ومتابعة له باستمرار. ولكن ذلك لا يتحقق عملا لأنه لا المحضر ولا القاضي يوجد لديه الوقت الكافي للمراجعة والمتابعة.

2- اختصاصات قاضى التنفيذ:
ويختص قاضى التنفيذ دون غيره بالفصل في جميع منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية أيا كانت قيمتها.
كما يختص بإصدار القرارات والأوامر المتعلقة بالتنفيذ.
ويفصل في منازعات التنفيذ الوقتية بوصفه قاضيا للأمور المستعجلة.
هذا هو ما تنص عليه المادة (275) من قانون المرافعات الجديد – ويبين من هذا النص أن قاضى التنفيذ يجمع بين ثلاث صفات:
فهو قاضى للأمور الوقتية: بالنسبة للأوامر والقرارات المتعلقة بالتنفيذ – إذ ترفع اليه العرائض فيصدر أمره عليها – كما هو متبع في نظام الأوامر على العرائض – وذلك بالنسبة لأوامر الحجز، وأوامر ضم المحصول، ونقل المحجوزات من مكان إلى آخر، وبيع ما يخشى عليه من التلف، إلى غير ذلك من الأوامر المتعلقة بالتنفيذ.
وهو قاض للأمور المستعجلة: بالنسبة لإشكالات التنفيذ التي ترفع بطلب وقف التنفيذ أو الاستمرار فيه أو بطلب عدم الاعتداد بالحجز.
وهو قاضى موضوعي: بالنسبة للمنازعات الموضوعية المتعلقة بالتنفيذ سواء كانت مرفوعة من أحد أطراف التنفيذ أو من الغير – وسواء كانت متعلقة بحجز عقار أو بحجز منقول أو بحجز ما للمدين لدى الغير. فهو مختص بالاعتراضات على قائمة شروط البيع – ومختص بالفصل في دعاوى استرداد المنقولات المحجوزة – ودعاوى الاستحقاق الفرعية في التنفيذ العقاري – أيا كانت قيمتها. وهذا استثناء من قاعدة النصاب – أي حتى لو كانت قيمتها زائدة عن (250) جنيهاً.
كما يختص بنظر دعوى رفع الحجز في حجز ما للمدين لدى الغير ودعوى المنازعة في التقرير بما في الذمة.
ولكن تستثنى من المنازعات الموضوعية دعوى صحة الحجز في حجز ما للمدين لدى الغير أو في حجز المنقول لأن هذه الدعوى ترفع إلى المحكمة المختصة أي إلى المحكمة المدنية أو التجارية الجزئية إذا كانت قيمة المنازعة (250) جنيه أو أقل – أو المحكمة الكلية إذا زادت القيمة عن 250 جنيه. (يراعى تعديل الأنصبة في التعديلات المتلاحقة، في هذا الشأن).
وقد نصت على ذلك المادتان (333) و (349) بالنسبة لحجز ما للمدين لدى الغير، والمادة (320) بالنسبة لحجز المنقول وذلك لأن دعوى صحة الحجز هى أولا وقبل كل شيء دعوى بثبوت الحق.

الطعن في أحكام وأوامر قاضى التنفيذ:
بالنسبة للأوامر التي يصدرها قاضى التنفيذ بصفته قاضيا للأمور الوقتية أي بموجب سلطته الولائية يجوز الطعن فيها بطريق التظلم أمام نفس قاضى التنفيذ الذى أصدر الأمر أو أمام المحكمة (الجزئية) التي يتبعها، ويستأنف الحكم الصادر في التظلم أمام المحكمة الابتدائية المختصة – أي التي يتبعها قاضى التنفيذ الذى أصدر الأمر، وميعاد الاستئناف هو الميعاد العادي أي (40) يوماً من تاريخ صدور الحكم في التظلم. أما التظلم نفسه فليس له ميعاد.
بالنسبة للأحكام التي تصدر من قاضى التنفيذ في منازعات التنفيذ الوقتية (أي اشكالات التنفيذ) – وهو هنا يصدرها بصفته قاضيا للأمور المستعجلة – يجوز الطعن في هذه الأحكام بطريق الاستئناف أمام المحكمة الابتدائية (مادة 277/2) وفى ميعاد (15) يوماً من تاريخ صدور الحكم.
بالنسبة للأحكام التي تصدر من قاضى التنفيذ بصفته قاضيا للموضوع – أي في منازعات التنفيذ الموضوعية – كدعاوى الاسترداد والاستحقاق والاعتراضات على قائمة شروط البيع – يمكن الطعن في هذه الأحكام بطريق الاستئناف (م277/1).

ولكن يجب أن نفرق هنا بين ثلاثة فروض:
فإن كانت قيمة المنازعة (50) جنيها فقط أو أقل من ذلك – فان الحكم يكون داخلا في حدود النصاب النهائي للقاضي الجزئي فلا يقبل الطعن فيه بطريق الاستئناف الا بسبب وقوع بطلان في الحكم أو الاجراءات المؤثرة وذلك طبقا للمادة (321) مرافعات.
وان كانت قيمة المنازعة تزيد عن (50) جنيها وتصل إلى حدود (250) جنيها – فإنه يجوز استئناف الحكم الصادر فيها إلى المحكمة الابتدائية التي يتبعها قاضى التنفيذ.
أما إذا زادت قيمة المنازعة عن (250) جنيهاً فإن حكم قاضى التنفيذ – وهو قاضى جزئي – يستأنف رأسا (في هذه الحالة) إلى محكمة الاستئناف العليا.
وهنا تبدو المفارقة ويبدو الشذوذ إذ يستأنف الحكم الجزئي إلى محكمة الاستئناف متخطيا بذلك المحكمة الكلية وقد أراد المشرع بذلك أن يعالج الخطأ الذى وقع فيه بإسناد الاختصاص بمنازعات التنفيذ الموضوعية أيا كانت قيمتها إلى قاضى جزئي ففرق في الاستئناف بين حالتين على أساس قيمة الدعوى ولكنه يكرر بذلك تجربة فاشلة وهى رفع الاستئناف عن الأحكام الجزئية إلى محكمة الاستئناف العليا مباشرة – وقد سبق أن مررنا بهذه التجربة من قبل في دعاوى الحيازة حيث كانت دائما من اختصاص القاضي الجزئي وتستأنف إلى المحكمة الكلية ويجوز الطعن فيها بطريق النقض. فلما اقتصر النقص على أحكام محاكم الاستئناف العليا وأراد المشرع استمرار اخضاع الأحكام الصادرة في دعاوى الحيازة لرقابة محكمة النقض قرر أن الأحكام الصادرة في تلك الدعاوى من المحاكم الجزئية تستأنف رأسا ومباشرة إلى محاكم الاستئناف العليا وأسفر التطبيق العملي في هذا الصدد عن مهزلة.
فالوضع الطبيعي هو أن أحكام القاضي الجزئي تستأنف إلى المحكمة التي تعلوه مباشرة وهى المحكمة الكلية، كما أن الوضع الطبيعي يقتضى ألا يعهد إلى قاضى جزئي بدعاوى خطيرة كدعاوى الاستحقاق الفرعية أو دعاوى استرداد المنقولات المحجوزة إذا كانت قيمتها كبيرة – وكذلك الاعتراضات على قائمة شروط البيع – فكل أمر من هذه الأمور يجب اني وضع في نصابه – والا فان النتيجة هى معالجة الخطأ بالخطأ – مما يؤدى إلى تراكم الشذوذ وتفاقمه.
ويلاحظ بالنسبة لجميع الحالات المتقدمة أن ميعاد الاستئناف واحد وهو (40) يوما من تاريخ صدور الحكم ما دامت المنازعة موضوعية وذلك طبقا للمادة 227/1 من قانون المرافعات الجديد.

الاختصاص المحلى لقاضى التنفيذ:
أثير كلام كثير حول الاختصاص المحلى لقاضى التنفيذ مع أن المشرع قد حدده على أساس أن يكون الاختصاص بالتنفيذ لأقرب المحاكم إلى المال الذى ينصب التنفيذ عليه. فإن كان ينصب على عقار كان الاختصاص لقاضى التنفيذ بالمحكمة الجزئية التي يقع العقار – أو أحد العقارات – في دائرتها، وان كان منقولا فالمختص هو القاضي الذى يقع ذلك المنقول في دائرة اختصاصه – وهو أمر لا يمكن أن يتبين الا عند الحجز – إذ به يمكن ضبط موقع المنقول. أما إذا لم يكن للمنقول موقع مستقر أو ثابت فان المنازعات المتعلقة بالتنفيذ عليه – وهى قد تثور قبل الحجز في بعض الفروض – ترفع إلى قاضى التنفيذ الذى يقع موطن المدين في دائرة اختصاصه.
وأما في حجز ما للمدين لدى الغير – فالاختصاص لقاضى التنفيذ الذى يتبعه موطن المحجوز لديه.
وكل هذه قواعد لا توجد أية صعوبة في تطبيقها – وانما ثار الخلاف بالنسبة لأمرين:
(أولهما) هل يتعلق تحديد الاختصاص المحلى لقاضى التنفيذ بالنظام العام؟ قال البعض بذلك على أساس أن الاختصاص النوعي لهذا القاضي معتبر من النظام العام لأن المشرع نص على أنه يختص (دون غيره) بالفصل في المسائل التي نص عليها القانون – فدل بذلك على أن لقاضى التنفيذ اختصاصا قاصرا عليه لا تشاركه فيه محكمة أخرى فهو ليس دائرة في المحكمة التي يتبعها وانما هو محكمة داخل المحكمة لها اختصاص يستبعد اختصاص غيرها – ولما كانت قواعد الاختصاص النوعي من النظام العام فقد اعتبر الاختصاص المسند إلى قاضى التنفيذ متعلقا بالنظام العام، فلا يجوز الاتفاق على خلافه، وللقاضي أن يتعرض له من تلقاء نفسه.
ثم قيل أن الاختصاص المحلى لهذا القاضي يرتبط باختصاصه النوعي فيجب لذلك أن يعتبر من النظام العام أسوة به. وأرى غير ذلك لأن القول بأن قاعدة الاختصاص متعلقة بالنظام العام أو غير متعلقة به معقود بضوابط قانونية محددة ليس منها هذا الارتباط المزعوم بين الاختصاص النوعي والاختصاص المحلى لقاضى التنفيذ.
كما قيل من جهة أخرى بأن اختصاص قاضى التنفيذ (محليا) يعتبر من النظام العام لأنه جاء على خلاف المادة (49) فينطبق عليه حكم المادة 62/2 من حيث عدم جواز الاتفاق – مقدما – على ما يخالفه.
وهذه حجة أقوى لاستنادها إلى نص وان كان لفظيا، ولكنها أيضاً مردودة بأن اسناد الاختصاص إلى محكمة غير محكمة موطن المدعى عليه لا يعتبر من النظام العام الا إذا كان يستهدف أغراضا معينة لا تتحقق مع اتفاق الخصوم مقدما على خلافه وذلك حماية الطرف الضعيف في الاتفاق (تراجع المذكرة الايضاحية على المادة 62) وفيما عدا ذلك فالاختصاص المحلى ليس من النظام العام قولا واحدا وهو ما انعقد عليه اجماع الفقه التقليدي.
والواقع أن اختصاص قاضى التنفيذ انما يتحدد طبقا للقواعد العامة ولم يأت المشرع فيه بأي استئناف مقصود به حماية أي طرف من أطراف التنفيذ ضعيفاً كان أم غير ضعيف، وسواء في ذلك التنفيذ على العقار أو على المنقول أو حجز ما للمدين لدى الغير – بل أن كل ذلك متفق مع القاعدة العامة التي تقرر اختصاص القاضي الذى يتخذ الاجراء في دائرته.
أما (الأمر الثاني) الذى ثار الخلاف حوله – فهو يتعلق باتخاذ جملة اجراءات تنفيذية بموجب سند واحد – فهل يختص بها قاض واحد من قضاة التنفيذ أم يختص بكل اجراء من هذه الاجراءات قاضى التنفيذ الذى يتخذ الاجراء في دائرته؟
قيل أن الهدف من انشاء نظام قاضى التنفيذ هو توحيد القاضي الذى يختص بمنازعات التنفيذ وتثبيت التنفيذ في محكمة واحدة حرصا على عدم تشعبه من حيث اجراءاته أو منازعاته.
ولهذا قيل بأن طلب التنفيذ الأول هو الذى يحدد قاضى التنفيذ الأوحد الذى يختص بكل اجراءات التنفيذ اللاحقة ومنازعاته وله أن يستنيب عنه قضاة التنفيذ في المناطق الأخرى لاتخاذ اجراءات أخرى (أسوة بما هو مقرر في القانون اللبناني مثلاً).
وهذا حل مثالي ولكن لا تساعد عليه النصوص الحالية ولا تساعد عليه الحالة التي يسير عليها التنفيذ أمام قضاة التنفيذ الجزئيين في قانوننا الحالي. ولهذا نعتقد أن كل تنفيذ له استقلاله وله (بالتالي) قاضيه ولو كان السند واحداً.
فلو حجز ت على سيارة في قليوب كان قاضى تنفيذ قليوب هو المختص بإجراءات واشكالات هذا الحجز والمنازعات المتعلقة به حتى لو كانت موضوعية.
ولو حجزت بعد ذلك بنفص الحكم على منقولات أخرى للمدين في شبرا كان قاضى تنفيذ شبرا هو المختص بالحجز على المنقولات وما يتفرع عنه من منازعات.
فالعبرة في ربط التنفيذ بقاض معين ليست بوحدة السند التنفيذي بل بوحدة الاجراء المتخذ بمقتضاه – ولكل اجراء استقلاله ومنازعاته وبالتالي فان لكل اجراء قاضيه. وليس في ذلك أدن مخالفة لقواعد الاختصاص المحلى لقاضى التنفيذ.

تقييم لنظام قاضى التنفيذ:
إن نظام قاضى التنفيذ في حد ذاته يبدو نظاما صالحا ولكن النظام الموضوع بمقتضى قانون 1968 قد ثبت عواره عند التطبيق العملي نظرا لمخالفته للصورة المثلى المتكاملة التي يجب أن يكون عليها هذا النظام، ولأنه قد جمع في وقت واحد بين نقيضين هما نظام المحضرين ونظام قاضى التنفيذ.
ولهذا لا أرى الغاء هذا النظام الآن – انما أعتقد أن من الأوفق النظر في اصلاحه بما يشد أزره ويتفق مع طبيعته والمستويات المختلفة التي يجب اني كون عليها – وفقا لما هو معمول به في الدول الأخرى. ويكفى أن فرنسا قد أخذت أخيراً بهذا النظام – غير أنه إذا تبين أن امكانياتنا لا تؤهلنا لهضم هذا النظام أو لإحلاله محله الصحيح فلا بأس من الاذعان للأمر الواقع فالرجوع إلى القديم على ما فيه من عيوب أفضل من الأخذ الجزئي بنظام جديد يقترن بالقديم ويرفع بأحكام استثنائية تخالف القواعد العامة من جملة نواح وتسفر عن مسخ عديم الجدوى.
فالواقع أن كل ما أسفر عنه تطبيق نظام قاضى التنفيذ منذ سنة 1968 حتى الآن هو احالة اشكالات التنفيذ من القضاء المستعجل إلى القضاء الجزئي العادي مما أدى إلى انكماش حجم العمل في القضاء المستعجل والى ضعف مستوى الأداء في قضاء الاشكالات لعدم التخصص وعدم التجانس.
وقد انتهى الأمر أخيراً إلى احالة اشكالات التنفيذ مرة أخرى للقضاء المستعجل، ومهما يكن من شك في مدى مطابقة هذا القرار للنصوص القانونية المتعلقة بتحديد اختصاص قاضى التنفيذ (دون غيره) – فإننا نعتقد أن هذا الوضع قد يكون أفضل من الوضع السابق.
والواقع أنه يجب أن تنشأ دوائر متخصصة للتنفيذ في كل محكمة جزئية وفى كل محكمة كلية ولا تنشغل الا بهذا العمل – مع الحاق المحضرين بهذه الدائرة تحت اسم (مأموري التنفيذ) ليقوم القاضي ازاءهم بدوره الصحيح في التوجيه والرقابة.
عندئذ يمكن القول بأن انشاء جدول لطلبات التنفيذ وملف لكل طلب وعرض كل اجراء على القاضي – كل هذه تدابير مثمرة فعلاً.
وعندئذ يمكن القول بأن جميع المنازعات المتعلقة بكل تنفيذ أمام قاض واحد أو أمام محكمة واحدة – متخصصة – هو أيضاً تدبير له جدواه ونتائجه المفيدة.
أما بغير ذلك – فلا يصلح هذا النظام للتطبيق العملي الأمثل.

4) الــغـــــــير -  Le Tiers :
ذكرنا فيما تقدم أن التنفيذ قد يتعدى إلى الغير فيصبح ذلك الغير طرفا فيه وشخصا من أشخاصه مع أنه لم يكن طرفا في المنازعة التي صدر فيها الحكم المراد تنفيذه أو في العقد الرسمي المطلوب تنفيذه.
ولا يتعارض ذلك مع القاعدة المعروفة في شأن الأحكام والتي تقرر أن أثر الأحكام نسبى أي أنها كالعقود لا تنفع ولا تضر غير أطرافها.
ذلك أن الغير في كل موطن من مواطن القانون معنى متميزا. فالغير في باب نسبية العقود والأحكام يختلف عن (الغير) في الصورية وعن (الغير) في اثبات التاريخ.
ولكلمة (الغير) في مقام تنفيذ الأحكام معنى يفترق عن المعنى المقصود بالغير في مقام بيان أثر الحكم. وسنعرض فيما يلى لإيضاح هذا المعنى.
ولقد وردت في شأن تنفيذ الأحكام على الغير المادة (285) من قانون المرافعات الجديد. وهى تنص على أنه لا يجوز للغير أن يؤدى المطلوب بموجد السند التنفيذي ولا أن يجبر على أدائه الا بعد اعلان المدين بالعزم على هذا التنفيذ قبل وقوعه بثمانية أيام على الأقل.
كما جاء باب حجز ما للمدين لدى الغير في المادة (344) مرافعات جديد، أنه يجب على المحجوز لديه بعد خمسة عشر يوما من تاريخ تقديره (بما في ذمته) أن يدفع إلى الحاجز المبلغ الذى أقر به أو ما يفي منه بحق الحاجز وذلك متى كان حق الحاجز وقت الدفع ثابتا بسند تنفيذي "وكانت الاجراءات المنصوص عليها في المادة (285) قد روعيت.
ولم يورد المشرع تعريفا للغير ولم يضرب أمثلة. وقد يبدو غريبا أن يجرى التنفيذ ضد الغير لأنه لا يتصور أن يقضى الحكم بالزام شخص، لم يكن طرفا في الدعوى، بفعل أمر أو بأداء شيء. الا أنه ينبغي أن نفرق بين الاشخاص الذين قد يعود الحكم عليهم بالنفع أو الضرر (فهؤلاء لا يجوز طبقا للقواعد العامة أن تقضى المحكمة بإسناد حق لهم أو بفرض التزام عليهم الا إذا اختصموا في الدعوى) – وبين غيرهم ممن لا يمسهم الحكم شخصيا ولكن يقتضى تنفيذه اشتراكهم أو تدخلهم فيه اما بحكم قيام علاقة قانونية بينهم وبين أحد الخصوم، واما بحكم وظائفهم، واما بسبب صفة متحققة فيهم، فهؤلاء وان لم يكونوا طرفا في الخصومة الا أنهم عند التنفيذ يجدون أنفسهم ملزمين بعل أمر أو أداء شيء أو دفع مبلغ من النقود.. وهؤلاء هم المقصودون بكلمة "الغير" في مقام التنفيذ.
وقد ضرب قانون المرافعات الفرنسي في المادة 550 منه أمثلة لهم فذكر منهم الحراس وحفظة الودائع والسجلات وغيرهم ممن يلزمون بتحقيق ما ورد في الحكم – وأشارت المادة 547 من قانون المرافعات الفرنسي إلى بعض الأعمال التي يقوم بها الغير لتنفيذ الأحكام فذكرت شطب التسجيلات أو محو القيود ودفع المبالغ، وأي شيء آخر يقوم للغير بعمله أو يقع على عاتقه.
وهذه النصوص تساعد على فهم المقصود بالغير في المجال.
ويقرر الشراح أنه لتحقق معنى الغير المقصود هنا – أي الغير الذى يمكن تنفيذ الحكم عليه – يلزم توافر الشروط الآتية:
أولاً:  ألا يكون الشخص المطلوب منه التنفيذ قد اختصم في الدعوى بشخصه أو مثله فيها أحد أطرافها بحكم القانون، أي لا يكون ماثلا في الخصومة ولا ممثلا فيها وألا يكون خلفا لأحد أطرافها.
ثانياً:  ألا تتعلق له مصالحة شخصية بموضوع الحق المراد اقتضاؤه ولا يعود عليه من اجراء التنفيذ نفع ولا ضرر، ولذلك يستوى عنده أن يتم التنفيذ لمصلحة أي من الخصمين.
ثالثاً:  أن يكون من واجبه الاشتراك في تنفيذ الحكم أو السند التنفيذي بوجه عام، وذلك بسبب صفته أو وظيفته أو علاقته بالخصوم.
ومن أمثلة الغير في مجال التنفيذ مأمور الشهر العقاري الذى يقوم بمحو القيد أو شطب التسجيل بناء على حكم قضائي. وكذلك كاتب المحكمة المختص بحفظ الودائع الذى يقوم بصرف قيمة الوديعة لمن يصدر الحكم لصالحه له بملكيتها.
وأخيراً فان حجز ما للمدين لدى الغير يعطينا صورة مثالية للغير المقصود في هذا البحث فان المحجوز لديه يلزم بوفاء ما تحت يده إلى الحاجز عندما يقضى لهذا الحاجز بدينه على مدينه المحجوز عليه. وقد نصت على ذلك المادة 344 على ما سبق القول، ودلت، بإشارتها إلى ضرورة مراعاة أحاكم المادة 285 على أن المحجوز لديه يعتبر قانونا من الغير في معنى المادة 285.
وعلى ضوء ما تقدم لا يعتبر من الغير الذى يمكن اجباره على التنفيذ:
من كان ممثلا في الخصومة وان لم يكن ماثلا فيها بشخصه ومثاله وارث المحكوم عليه فان الحكم الصادر ضد مورثه يسرى عليه، وكذلك الشأن بالنسبة لأى خلف للمحكوم عليه، لأن متى اعتبر طرفا أو خلفا لأحد الخصمين فانه من ثم لا يعتبر من الغير.
من يدعى لنفسه حقا يتأثر بإجراء التنفيذ ولم يكن مختصما في الدعوى، ومثاله حائز العقار([22]) بالنسبة للحكم الذى يصدر في دعوى بين شخصين لا يعتبر الحائز خلفا لأحدهما([23]) فانه وان كان يعتبر من الغير لأنه ليس طرفا أو خلفا لأحد الخصمين الا أنه من الغير الذى لا يجوز التنفيذ عليه.

شروط التنفيذ على الغير:
وقد اشترطت المادة 285 لصحة التنفيذ على الغير أن يسبق ذلك اعلان المدين بالعزم على التنفيذ على الغير أن يسبق ذلك اعلان المدين بالعزم على التنفيذ قبل اجرائه بثمانية أيام على الأقل، والحكمة من ذلك واضحة وهى تمكين المدين المحكوم عليه من الاعتراض على التنفيذ أو منع التنفيذ ضد الغير إذا كان له الحق في ذلك أو تمكين ذلك المدين من تنفيذ الحكم بنفسه، واجتناب الضرر الذى قد يلحقه من تنفيذه على الغير، كما لو كان هذا المحكوم عليه قد أودع مثلا في أحد البنوك مبلغا من المال وأصدر شيكات بهذا المبلغ كله وكان أحد دائنيه قد أوقع حجزا تحت يد البنك، وأراد أن يستوفى دينه من البنك المحجوز لديه، فان مصلحة المحكوم عليه ظاهرة في عدم اجراء التنفيذ على البنك حتى لا يتعرض لمفاجأة انعدام الرصيد عندما يتقدم حملة الشيكات إلى البنك بطلب صرفها، مما قد يوقعه تحت طائلة قانون العقوبات.
ويلاحظ أن الذى يعلن هنا هو المدين أي الطرف السلبى في الخصومة وهذا هو ما نص عليه المشرع وهو ما يتفق مع حكمة التشريع.
وحكم المادة 285 يسرى على التنفيذ الجبري كما يسرى على التنفيذ الاختياري. فان البعض يقرر أنه لا يجوز للغير "أن يؤدى" المحكوم به ولا أن "يجبر على أدائه".
ولذلك فان البنك في المثال الذى سقناه إذا قام بالوفاء للحاجز يكون مسئولا ويعتبر الوفاء الحاصل منه غير صحيح فيلزم بالوفاء مرة ثانية، ما لم تكن الاجراءات المنصوص عليه في المادة 285 قد أتبعت، وهى اعلان المحكوم عليه بالعزم على هذا التنفيذ وانتظار مضى ثمانية أيام بعد هذا الاعلان.
والجزاء على عدم مراعاة هذه الاجراءات: هو بطلان التنفيذ. فاذا وقع التنفيذ على الغير أو بمعرفة الغير دون اعلان المحكوم عليه بالعزم على ذلك أو قبل مضى ثمانية أيام على اعلانه، كان ذلك التنفيذ باطلاً.
غير أنه يجب أن يتمسك صاحب الشأن بهذا البطلان لأنه مقرر لمصلحة خاصة فلا يجوز أن يتمسك به الا من شرع لحمايته وهو المدين من جهة والغير من جهة أخرى وإذا سكت عنه فانه يسقط لعدم التمسك به، ويسقط كذلك من باب أولى إذا تنازل عنه صراحة. ومن ثم فان الغير إذا قام بوفاء الدين المحكوم به وفاء اختياريا لا يجوز له أن يتمسك بعد ذلك ببطلان التنفيذ لعدم مراعاة حكم المادة (285).
أما عن السندات التنفيذية التي تسرى عليها هذه القواعد، فان جواز التنفيذ على الغير مع مراعاة الاجراءات، المنصوص عليها، يلحق بالأحكام وبالعقود الرسمية، بمعنى أنه يجب اتباع هذه الاجراءات سواء أكان السند المراد تنفيذه حكما أو عقدا رسميا، ولهذا عبرت المادة (285) بقولها "المطلوب بموجب السند التنفيذي، وكانت المادة 474 في القانون القديم تعبر عن ذلك بكلمة "المحكوم به، وتنص في نهايته على أن النص يسرى غذى كان السند التنفيذي عقدا رسمياً.
ويلاحظ أنه لا يشترط بالنسبة للأحكام أن يكون الحكم قد أصبح نهائياً حتى يمكن تنفيذه على الغير بل يجوز التنفيذ على الغير حتى لو كان الحكم غير نهائي مادام مشمولا بالنفاذ المعجل.
أما الحكم الذى لا يكون نهائيا ولا مشمولا بالنفاذ المعجل فبديهي أنه لا ينفذ على الغير بل ولا ينفذ حتى على ذات المحكوم ضده.
غير أن هناك من الأحكام ما لا يجوز تنفيذه الا إذا كان نهائيا. ومثال ذلك الحكم الصادر بمحو قيد الرهن فقد نصت المادة 45 من قانون الشهر العقاري على أنه (لا يجوز محو القيد الا بمقتضى حكم نهائي أو برضا الدائن بتقرير سمى منه) ففي حالة المحو القضائي أو الإلزامي يجب أن يكون الحكم الصادر بذلك قد أصبح نهائيا حتى يمكن تنفيذه.
ويقاس على هذه الحالة ما يماثلها أي ما يرد نص خاص بشأنه يمنع تنفيذ الحكم على الغير الا إذا أصبح نهائياً.



([1] ) ولهذه المسألة أهميتها: لأن أي دائن آخر يحجز على نفس المال قد يتعرض لمزاحمة الدائن الأول، ولذلك يعنيه ابطال اجراءات ذلك الدائن الأول = إذا لم تكن صفة الدائن متحققة له قبل الحجز، وبذلك يخلص للحاج الثاني المال المحجوز كله. وكذلك يهم المدين ابطال الحجز إذا تصرف في المال للغير (كما أن ذلك يهم المتصرف اليه) فليست المسألة أذن مجرد تمسك بالشكليات أو محاولة تحميل الدائن الحاجز بمصاريف الاجراءات من جديد.
([2] ) إذا كان التنفيذ يجرى لاقتضاء حق عيني كحق الارتفاق مثلاً.
([3] ) كوش وفنسان صحيفة 28 هامش 2 والأحكام والاتفاقيات التي أشار اليها.
([4] ) أي السيارات المملوكة للسفارات والقنصليات ولو وجدت في الطريق أو في أي مكان آخر خارج دار السفارة أو القنصلية.
([5] ) لأنها إذا وجدت داخل الدار فإن حصانة الدار تحميها ولو كانت مملوكة ملكاً خاصاً لأحد موظفي الدار أو غيرهم.
([6] ) موسوعة كاربالتييه جزء ثالث لصحيفة 129 بند 1154.
([7] ) لأن نقص الأهلية أو انعدامها لا يمنع من التحمل بالحقوق تجاه الغير فإن ذلك متعلق بأهلية الوجوب.
([8] ) تراجع المادة 42 من المرسوم بقانون رقم 119 لسنة 1952 الخاص بالولاية على المال.
([9] ) تنص المادة 25 عقوبات على أنه في حالة عدم تعيين القيم تعينه المحكمة الجزئية التابع لها محل اقامة المحكوم عليه بنا على طلب النيابة العمومية أو من له مصلحة في ذلك (كالدائن في حالتنا).
([10] ) نقض ابريل 1935 مجموعة محمود عمر جزء أول صحيفة 574 رقم 246.
([11] ) نقض 19 مايو 1949 مجموعة محمود عمر جزء خاص صحيفة 770 رقم 421.
([12] ) أنظر حكم محكمة استئناف أسيوط في 7 نوفمبر سنة 1934 – محاماة – 15 – ص 254، رقم 116.
([13] ) راجع كتاب الافلاس الأستاذ الدكتور محسن شفيق بند 295 وما بعده – وراجع الدكتور على حسن يونس في الافلاس بند 149 وما بعده.
([14] ) ولذلك تعثر نظام قاضى التنفيذ في مصر لأن المشرع عندما تصدى لوضعه أراد أن يكلف السلطة القضائية بما لا يتفق مع طبيعتها، فخلط بذلك بين المهمة القضائية التنفيذية – هذا بالإضافة إلى الابقاء ( في نفس الوقت) على عمال التنفيذ التابعين للسلطة التنفيذية (ونعنى بذلك المحضرين)، مما سنبينه فيما يلى بالتفصيل – فضلا عن عيوب أخرى في تكوين ذلك النظام أو تشكيله أدت إلى التشكك في سلامته أو في مدى ملاءمته للبيئة المصرية.
([15] ) أشار العلامة جلاسون إلى خلو القانون الفرنسي من نصوص تنظيم التنفيذ العيني (المباشر) ثم أضاف أن في القانون الألماني طائفة من النصوص (المواد 883 وما بعدها) تنظيم التنفيذ الجبري في حالة الالتزام بعمل أو بامتناع. (جلاسون جزء رابع بند 1002 صحيفة 2 وهامشها).
([16] ) يتضمن قانون المرافعات الليبي طائفة من النصوص في هذا المقام (المواد 701-708) وهذه النصوص مستمدة من القانون الإيطالي. وقد تضمن مشروع قانون المرافعات الموحد (المصري – الليبي) نصوصا بهذا المعنى – ولكن هذا المشروع لم يكتب له الظهور (حتى الآن).
([17] ) أبو هيف في التنفيذ. هامش 5 في صحيفة 15.
([18] ) جارسونيه جزء رابع فقرة 7.
([19] ) في التشريع الفرنسي نصوص تسند إلى النيابة العامة مهمة استدعاء العمال اللازمين للتنفيذ ولا يجوز للمحضر أن يجابهم بنفسه مباشرة (انظر جارسونيه جزء رابع هامش 21 في صحيفة 9 وهامش 7 في صحيفة 17) – فالون 22 جرمينال سنه 4 مادة 1، 2 – وانظر جلاسون جزء رابع هامش (1) في صحيفة (13) حيث أشار إلى أن النيابة العمومية هى التي تنتخب من يلزم الاستعانة بهم في التنفيذ خاصة إذا كانوا عمالا. وقد يستعان في هذا الشأن بالمساجين، نظير الأجر المقرر لهم حسب لوائحهم.
([20] ) وقد يكون من الخير أن يحدد المشرع هذا الحد، عن طريق تقديره بمبلغ معين مثلاً.
([21] ) صيغة التنفيذ هى أمر من الدولة إلى المحضرين بإجراء التنفيذ جبرا والى رجال السلطة العامة بمساعدة المحضرين على التنفيذ ومعاونتهم ولو باستعمال القوة وقد ورد نص الصيغة التنفيذية في ذيل المادة (280) من قانون المرافعات الجديد.
([22] ) يلاحظ أن الحائز هنا يحمل على معنى واضع اليد.
([23] ) راجع حكم محكمة كولمار في 7 مارس سنة 1835-دالوز الهجائي تحت كلمة حكم بند 525 وأبو هيف بند 31 – والدكتور رمزي سيف بند 74 – وقارن في بيان الرأي المخالف جوريس كلاسير المرجع السابق بند 3.